ملتقى التربية

قال تعالى: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}

(النازعات:26)

لفظ (العبرة) في القرآن الكريم -كغيره من الألفاظ القرآنية- يستحث الباحث على التأمل في دلالته اللغوية، ويستوقف الناظر لمعرفة أبعاده القرآنية، ويُعدُّ بامتياز من المصطلحات القرآنية ذات الدلالات الخاصة.

وقبل تفصيل القول في دلالة هذا اللفظ في موارده القرآنية، نستبق ذلك ببيان دلالته من الناحية اللغوية.

تفيد معاجم اللغة أن الأصل في مادة (عبر) الدلالة على النفوذ والمضيِّ في الشيء. يقال: عبرت النهر عبوراً: قطعته من شاطئ إلى شاطئ. وكذلك الطريق: قطعته من جانب إلى جانب. ويقال: عَبَر الكتاب: إذا تدبره في نفسه، ولم يرفع صوته بقراءته. وعَبِرَ عَبَراً: جرت دمعته. وعَبَّر عما في نفسه: أعرب وبيَّن بالكلام. واعتبر الشيء: اختبره وامتحنه. واعتبر به: اتعظ. ويقال: استعبر فلان: إذا جرت عَبْرته. ومن الباب العَبْرَة: وهي الدمع؛ لأن الدمع يعبر، أي: ينفذ ويجري. ورجل عابر سبيل، أي: مار. ويقال: ناقة عَبْرُ أسفارٍ، أي: قوية على الأسفار. والعَبْر من النهر: شاطئه وجانبه. والعبرة: الاعتبار بما مضى.

ومن الباب: عَبَرَ الرؤيا عَبْراً: فسرها. ووجه القياس في هذا عبور النهر؛ لأنه يصير من جانب إلى جانب. كذلك مفسر الرؤيا يأخذ بها من وجه إلى وجه. و(الاعتبار) و(العبرة) مقيسان من عَبْري النهر -أي جانباه-؛ لأن كل واحد منهما عَبر مساو لصاحبه. فإذا قلت: اعتبرتُ الشيء، فكأنك نظرت إلى الشيء، فجعلت ما يعنيك عَبْرا لذاك، فتساويا عندك. فهذا أصل اشتقاق الاعتبار.

وواضح أن الأصل اللغوي لهذا اللفظ يدل على الانتقال من جهة إلى أخرى، إما انتقالاً ماديًّا، وإما انتقالاً معنويًّا. فما هي دلالته في القرآن الكريم؟

بتتبع مواضع لفظ (عبر) وما اشتق منه في القرآن الكريم نجد أنه جاء في تسعة مواضع، موضعين منها بصيغة الفعل، أحدهما: قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ورؤيا ملك مصر: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف:43). والثاني: قوله سبحانه: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر:2). وجاء في سبعة مواضع بصيغة الاسم، من ذلك قوله عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} (يوسف:111).

ولفظ (عبر) في القرآن الكريم بمشتقاته جاء على أربعة معان رئيسة:

المعنى الأول: بمعنى تعبير الرؤيا المنامية، وذلك في موضع واحد في القرآن، وهو قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون} (يوسف:43)، فملك مصر يطلب من حاشيته أن يُعبِّروا له ما رأه في منامه، أي: أخبروني بحكم هذه الرؤيا. 

المعنى الثاني: بمعنى العبور في الطريق، جاء ذلك في موضع واحد في القرآن، هو قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} (النساء:43). فـ (العابر السبيل) المجتازه مروراً. والمراد من الآية هنا نهي المؤمنين عن قربان المساجد حال الجنابة، لكن يجوز للجُنُب ومن في حكمه -كالحائض والنفساء- عبورها لقضاء حاجة، لا على سبيل المكث والإقامة.

المعنى الثالث: بمعنى الدليل، جاء ذلك في ثلاث آيات:

أولها: قوله عز وجل: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (النور:44)، أي: إن في إنزال المطر والبَرَد، وتقليب الليل والنهار لدليلاً على عظمته تعالى.

ثانيها: قوله سبحانه: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} (النحل:66)، يقول سبحانه: إن لكم -أيها الناس- في هذه الأنعام التي سخرها لكم لآية ودلالة على قدرة خالقها، وحكمته، ولطفه، ورحمته.

ثالثها: قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} (المؤمنون:21)، أي: وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام لعبرة تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم، وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا يعجزه شيء شاءه.

وهذه الآيات الثلاث بمعنى قوله عز وجل: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} (آل عمران:190).

المعنى الرابع: بمعنى الاعتبار والاتعاظ، وهو المعنى الأكثر حضوراً في القرآن، جاء ذلك في أربع آيات:

الأولى: قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر:2). أي: انظروا -يا معشر أولي العقول والأفهام- إلى من فعل ما فعل، فعوقب بما عوقب به، فتجنبوا مثل صنيعهم؛ لئلا ينـزل بكم من البلاء مثل ما نزل بأولئك.

الثانية: قوله سبحانه: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (آل عمران:13)، المعنى كما قال ابن كثير: إن في ذلك لَمُعْتَبَرًا لمن له بصيرة وفَهْم، يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

الثالثة: قوله عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (يوسف:111)، أي: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا الكافرين عبرة لأولي العقول السليمة يعتبرون بها، وموعظة يتعظون بها 

الرابعة: قوله تعالى: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} (النازعات:26)، أي: إن في العقوبة التي عاقب الله بها فرعون في عاجل الدنيا، وفي أخذه إياه نكال الآخرة والأولى، عظة ومُعْتَبَرًا لمن يخاف الله، ويخشى عقابه.

والحاصل، أن لفظ (عبر) بمشتقاته ورد في القرآن الكريم على معنىً رئيس، هو معنى (الاعتبار) و(الاتعاظ) بما حصل للأقوام السابقة. وجاء بنحو أقل بمعنى (الدليل) على عظمة الله سبحانه وقدرته. وأقل ما جاء بمعنى تعبير (الرؤيا) المنامية، ومعنى (العبور) المادي. وكل هذه المعاني تشترك في أصل الدلالة اللغوية لهذا اللفظ، وهو معنى المضيِّ في الشيء، والانتقال منه إلى غيره، انتقالاً ماديًّا أو معنويًّا.

ونختم الحديث عن لفظ (العبرة) بما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب “التفكر والاعتبار” عن الشيخ أبي سليمان الداراني، قال: إني لأخرج من منـزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة.

*********

وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا

الأعراف180

أمرنا الله تعالى في الآية أعلاه بالدعاء بأسمائه الحسنى

فما أهمية هذا الأمر ؟!

وما أهمية معرفة أسماء الله تعالى وصفاته

وما أثر ذلك على حياة المؤمن ؟!

=================

معرفة أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته :

معرفة أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته عليها مدار الإيمان،

فهي ركن من أركان التوحيد وذروة سنــــام العبوديــــة ..

والإيمان بأسماء الله وصفاته يقتضي:

معرفة الله سبحانه وتعالى بصفاته الواردة في القرآن والسُّنَّة الصحيحة، وإثبــــات لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيــل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف.

والعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم وأوجبها ..

يقول الإمام ابن القيم “إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقًا له تعالى أو أمرًا .. إما علم بما كونه أو علم بما شرعه ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى” بدائع الفوائد 273:2

فمن يُمعِن النظر في أسرار هذا العلم يقف على ريــــاض من العلم بديعة، وحقائق من الحِكَم جسيمة .. ويحصل له من الآثــار الحميدة ما لا يُحــاط بالوصف ولا يُدرك إلا لمن يُرزق فهمها ومعرفتها .. ومنها أنه:

إذا علم العبد ربَّه وامتلأ قلبه بمعرفته، أثمرت له ثمرات جليلة في سلوكه وسيره إلى الله عزَّ وجلَّ ..وتأدب معه ولزم أمره واتبع شرعه، وتعلَّق قلبه به وفاضت محبته على جوارحه، فلهج لسانه بذكره، ويده بالعطاء له، وسارع في مرضاته غاية جهده، ولا يكاد يمل القرب منه سبحانه وتعالى .. فصار قلبه كله لله ولم يبق في قلبه سواه .. كما قيل:

قَدْ صِيْغَ قَلْبِيْ عَلَىَ مِقْدَارِ حُبِّهِمْ …. فَمَا لِحُبِّ سِوَاهُمْ فِيْهِ مُتَّسَعْ

ومن أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من الله ..

والمحب لا يجد مع الله للدنيا لذة، فلم يثنه عن ذلك حب أهل أو مال أو ولد؛ لأن هذه وإن عظمت محبتها في قلبه إلا أنه يدرك أنها بعض فضل الله عليه ..

فكيف يشتغل بالنِعَم وينسى المُنعِم؟!

ومنزلة العبد عند الله سبحانه وتعالى على قدر معرفته به ..

لذلك اختصت آية الكرسي بكونها أعظم آية في القرآن؛ لأنها أشتملت على أعظم أسماء الرحمن .. وعدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن؛ لاشتمالها على اسمه الأحد الصمد الذي يُقصد لذاته وليس له نظير ولا مثيل سبحانه وتعالى.

ومن أحبَّها أحبَّه الله ..

كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بــ ” قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” الإخلاص: 1 ..

 فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ، فقال “سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟”. فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي “أخبروه أن الله يحبه” متفق عليه

كما أن من عمل بها وحقق ما تقتضيه من فِعْل المأمورات وترك المحظورات، كان من المقربين الذين أحبهم الله وتولاهم.

وكلما أدام ذكرها بقلبه ولسانه، أوجب ذلك له دوام مراقبته وشاهد ربَّه بعين بصيرته ..فاستحيى منه، وانكسر له، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة، وهي أعلى مقامات الدين ..

يقول ابن القيم “وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الربَّ سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال وأحست روحه بالقرب الخاص الذي ليس هو كقرب من المحسوس حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربِّه .. فإن حجابه هو نفسه وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته، أفضى القلب والروح حينئذ إلى الربِّ فصار يعبده كأنه يراه” مدارج السالكين 3:221,222

والتعرُّف على أسماء الله تعالى يسلم الإنسان من آفات كثيرة ..

كالحسد، والكبر، والريـــاء والعجب .. كما قال ابن القيم “لو عرف ربَّه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وعرف نفسه بالنقائص والآفات، لم يتكبَّر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدًا على ما آتاه الله. فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك. فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته” مدارج السالكين 1:172

كما إن أنوار الأسماء والصفــات تُبدد حُجُب الغفلة ..

قال تعالى “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (*) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا .. ” الأعراف: 179,180

 .. فلكي تتخلص من تلك الحُجُب، عليك أن تدعوه بأسمائه وصفاته.

ومن أعظم آثارها: أن من قام في قلبه حقائق هذه الأسماء، وتراءت معانيها لناظريه كان أعظم الناس تحقيقًا للتوحيد، وأكملهم عبودية لربِّ العالمين ..

يقول الإمام ابن القيم “الأسماء الحسنى والصفات العلا مقتضية لآثارها من العبودية: والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها أعنى من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.

 

فعلم العبد بتفرد الربِّ تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة، يثمر له عبودية التوكُّل عليه باطنًا ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.

 

وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضى الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح ..

ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته، توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.

وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة .. وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها، وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها ارتباط الخلق بها” مفتاح دار السعادة 90:2

فالذي يكمُل علمه بالأسماء والصفات هو العبد الرباني بحق،،

ولذلك كله كان إحصاء أسماء الله تعالى من أعظم موجبات الجنــــة ..

كما قال رسول الله “إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة” متفق عليه

وإحصـــاء الأسماء والصفات يكون من خلال:

1 -حفظها .. بأن يستودعها قلبه ..

2 -معرفة معانيها .. فيتعلم معانيها وكيفية عبادة الله عزَّ وجلَّ بمقتضاها ..

3- العمل بمقتضاها .. فإذا علم أنّه الأحد فلا يُشرك معه غيره، وإذا علم أنّه الرزّاق فلا يطلب الرّزق من غيره، وإذا علم أنّه الرحيم، فإنه يفعل من الطاعات ما يجلب له هذه الرحمة، وهكذا .. فيتعلَّق القلب بمعاني الجلال بأن يذل وينكسر، ومعاني الجمال بأن يُحب ويُقبل على الله سبحانه وتعالى.

4- دعاؤه بها .. كما أمرنا الله جلَّ وعلا { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ..} الأعراف: 180

والدعــاء على مرتبتين إحداهما:

دعاء ثناء وعبادة، والثاني: دعاء طلب ومسألة .. فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها.

يقول ابن القيم “ولما كان سبحانه يحب أَسمائه وصفاته، كان أَحب الخلق إِليه من اتصف بالصفات التى يحبها، وأَبغضهم إِليه من اتصف بالصفات التى يكرهها، فإِنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأَن اتصافه بها ظلم، إِذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه، لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحدَّه، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإِحسان والصبر والشكر فإِنها لا تنافى العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته” طريق الهجرتين 19:23

فعلى العبد أن يتخلَّق بصفات الجمـــال ..

الله سبحانه وتعالى رحيـــم: ارحم تُرحم .. الله عفو: اعفُ يُعف عنك .. الله حليـــم: أحلم يُحلَم عليـــك ..

أما صفات الجلال: فيُنزه نفسه عن مشاكلة الله عزَّ وجلَّ بها ..

الله عزَّ وجلَّ عزيـــز: أنت ذليــــل .. الله مُتكبِّر: أنت متواضع .. وهكذا.

5- التحقق .. بأن ينظر في الآفــاق ويتفكَّر في آلاء الله سبحانه وتعالى؛ كما أمرنا النبي ، فقال “تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله”حسنه الألباني، صحيح الجامع 2975 ..

 أي: تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله سبحانه وتعالى .. والقاعدة في كل ذلك قول الله تبارك وتعالى:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” الشورى: 11

تَــــــأَمَّلْ سُطُوْرَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا … مِنَ الْمُلْكِ الْأَعْلَىَ إِلَيْـــــكَ رَسَــــائِلُ

وَقَدْ خَطَّ فِيْهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا … أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الْلَّهَ بَــاطَلَّ

تعالوا نتعلَّم أسماء الله تعالى وصفاته؛

فنخرج من الشقاء إلى الراحة ومن الغفلة إلى التذكرة ..

فلا سعادة للقلب ولا سرور له إلا بمعرفة مولاه ومربيه وإلهه ..

لنجعل قلوبنا تهتف:

قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ” الإسراء: 30

الشيخ هاني حلمي

*********

من أسباب الرزق

يؤمن المسلم أنه مكتوب ومقدر رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته وهو في بطن أمه ينال ذلك بالأسباب المقدرة له كما في حديث ابن مسعود المتفق عليه فمن أسباب الرزق:

-1  السعي في تحصيله بالأسباب المقدرة له من زراعة أو تجارة أو صناعة أو وظيفة أو غير ذلك من الأسباب المقدرة قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك: 15

-2 وتقوى الله تعالى وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} الطلاق: 2، 3

أي من أطاع الله جعل له مخرجا من كل ضيق ورزقه من حيث لا يخطر بباله.

-3 وكثرة الإستغفار طلب المغفرة من الله تعالى قال تعالى إخبارًا عن نبيه ورسوله نوح عليه السلام {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} نوح: 10-12

وفي الحديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب»رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحاكم وصححه

-4  والتوكل على الله والإعتماد عليه والإستعانة به في حصول الرزق فإن من توكل على الله كفاه قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق:3

 أي من يعتمد على الله وحده في حصول مطلوبه فهو كافيه [1].

-5 والدعاء بحصول الرزق فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}غافر: 60

فقد أمر بالدعاء وتكفل بالإجابة إذا لم يمنع من ذلك مانع من معصية الله بترك واجب أو فعل محرم أو أكل حرام أو لبسه أو إستبطاء الإجابة تقول: يا رزاق ارزقني وأنت خير الرازقين، اللهم إني أسألك رزقا طيبا واسعا يا من لا تغيض خزائنه مع كثرة الإنفاق، اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني قال صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه» رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو ورمز السيوطي لصحته [2].

-6والحمد والشكر لله على رزقه ونعمه عموما فإن الشكر مقرون بالمزيد قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] اللهم لك الحمد والشكر والثناء على جزيل إنعامك والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه وصلوات الله وسلامه على خير خلقه وأنبيائه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. 

تنبيه: الإنسان بطبيعته يحب الغنى ويكره الفقر وهو لا يعلم عواقب الأمور ورب قليل خير من كثير وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ولعله يجمع المال من حلال وحرام ثم يموت ويتركه لورثته فيكون لهم غنمه وعليه غرمه له الشوك وللوارث الرطب وسوف يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وأغبط الناس في هذه الحياة وأسعدهم فيها من كان رزقه بقدر حاجته وكفايته لا فقر ينسي ولا غنى يطغي ولهذا حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالفلاح لمن أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، في الحديث الذي رواه مسلم ودعا لأهل بيته أن يكون رزقهم في الدنيا بقدر القوت فقال في الحديث الذي رواه مسلم والترمذي وابن ماجه: «اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتًا» ولا يختار لهم إلا الأفضل، وقلة المال أيسر للحساب وقال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} الأعلى:16، 17

وقال عليه الصلاة والسلام: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي [3]

————————————

[1] وقال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا» [رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم].

[2] من أسباب الرزق الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله كما قال الله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وإباحه لكم فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل وفي الآخرة بالأجر والثواب وفي الحديث القدسي قال الله تبارك وتعالى: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» [رواه مسلم] وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» [رواه البخاري ومسلم] وقال عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال» [رواه مسلم] فليثق المنفق بوعد الله وينفق مما رزقه الله.

[3] المصدر بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين للشيخ عبد الله ن جار الله آل جار الله -رحمه الله- ص 556.

عبد الله بن جار الله الجار الله

*********

الاستعانة بالله

 قال الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: (والله المستعان على ماتصفون).

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم

وقال ابنُ الجوزيّ رحمه الله في كتابه «المدهش»: (فانهض وبادر، ولا تَستصعب طريقَهم، فالـمُعينُ قادرٌ، تَعرَّض لمن أَعطاهم،

وسَل.. فمَولاكَ مَولاهُم. رُبَّ كنز وقَعَ بِه فقيرٌ، ورُبَّ فضلٍ فاز بِه صغيرٌ).

 وفي نفس الكتاب قال: (قد سمعتَ أخبارَ المتّقينَ؛ فَسِر في سِربِهم، وقد عرفتَ جِدَّهم، فتناول من شِربِهم، ثم سل من أعانهم يُعنك).

 وقال ناصحاً ولدَه أبا القاسم: (ومتى رأَيتَ في نَفْسكَ عجزاً فسل المُنعِم، أو كسلاً فالجأ إلى الموفِّق، فلن تنالَ خيراً إلا بطاعته، ولا يَفوتكَ خيرٌ إلا بمعصيته.

ومَن الذي أَقبلَ عليه فلم يَر كلَّ مرادٍ لديه؟

ومَن الذي أعرض عنهُ فمضى بفائدة أو حظيَ بغرض من أغراضهِ).[لفتة الكبد في نصيحة الولد].

 قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: (تأمَّلت أَنفعَ الدُّعاء؛ فإذا هو: سؤال الله العَونَ على مَرضَاتهِ). [مدارج السَّالكين].

وكَتبَ الحسنُ إلى عمر بن عبد العزيز: (لا تَستَعن بغير الله؛ فيَكِلُكَ اللهُ إليه). [جامع العلوم والحكم].

الفرق بين الاستعانة بالله، والتوكل على الله، والدعاء

إن الدعاء يدخل في الاستعانة، لأن الاستعانة يطلب بها العون من الله تعالى، وقد سوى ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ بين التوكل والاستعانة، فقال في تعريفهما في المدارج: فإن قلت فما معنى: التوكل والاستعانة؟ قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع، وإنه ما شاء كان ـ وإن لم يشإ الناس ـ وما لم يشأ لم يكن ـ وإن شاءه الناس ـ فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه وأنه ملي به، ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينويه من رغبة ورهبة هما مليان بهما، فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه وحبس همه على إنزال ما ينويه بهما، فهذا حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله، فالله كافيه ولا بد، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.

انتهى.

وقال ـ أيضا: والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به.

والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة، والاعتماد، وهو حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين.

وهذان الأصلان ـ وهما التوكل والعبادة ـ قد ذكرا في القرآن في عدة مواضع قرن بينهما فيها، هذا أحدها.

الثاني قول شعيب: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.

{ هود: 88 }.

والثالث قوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ.

{ هود: 23 }.

الرابع قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

{ الممتحنة: 4 }.

الخامس قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ.

{ آل عمران: 41 }.

السادس: قلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ.

{ الرعد: 30 }.

انتهى.

والله أعلم.

*********

“وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون”

 قال الله جل وعلا في كتابه العظيم يوصي عباده المؤمنين:

” قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون”

(1-3) المؤمنون،

 فسّر العلماء اللغو، بأمور ثلاثة: أحدها: الشرك؛ لأنه باطل، وذلك يجب إطراحه والحذر منه.

 الثاني: المعاصي؛ لأنها باطلة أيضاً يجب الحذر منها.

الثالث: كل شيء لا فائدة فيه، ولا مصلحة فيه، فهو من اللغو، والمؤمن يجتنبه، وهكذا المؤمنة وكل التفاسير صحيحة،

فإن المؤمنين يجتنبون الشرك كلّه بأنواعه ويجتنبون المعاصي ويحذرونها ويجتنبون أيضاً كل شيء لا فائدة فيه ولا مصلحة؛

لأنّه يشغلهم عما هو أهم،

 فهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حذراً من أنواع الشرك كلّها، ومن سائر ما حرم الله من المعاصي وحذر أيضاً مما يشغله عما هو أهم،

من الأشياء التي لا فائدة فيها من قول، أو عمل.

*********

لا تغضب

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال:

 (لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب) رواه البخاري. 

هذا حديث مهم في باب إصلاح أخلاق الناس وتزكية نفوسهم وهو جليل القدر مع صغره. وفيه مسائل:

الأولى: فيه مشروعية طلب الوصية من العالم والرجل الفاضل سواء في أمر عام أو خاص وقد كان السلف يكثرون من ذلك. فهذا الرجل حرص على طلب الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم فأوصاه النبي بوصية جامعة وربما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم حاجته إلى الحلم وترك الغضب. فينبغي على المؤمن أن يحرص على ذلك فربما سمع كلمة نافعة أصلحت حاله وغيرت مجرى حياته وفتحت له بابا من الخير وأغلقت عليه بابا من الشر فقد يفتح الله على بعض عباده بالحكمة ويقذف في قلوبهم نورا فيبصرون بعض خلقه من حيث لا يظنون.

الثانية: فيه أن الغضب جماع الشر كله. قال جعفر بن محمد: (الغضب مفتاح كل شر). وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق فقال: (ترك الغضب). وهو من أقبح الأخلاق السيئة لأنه يخرج المرء عن طبيعته الإنسانية إلى البهيمية ويحمله على ارتكاب تصرفات سيئة من السب واللعن والشتم والضرب والاعتداء والإتلاف والطلاق بل ربما والعياذ بالله تلفظ بألفاظ توجب الردة. وللغضب آثار سيئة على الفرد والمجتمع فكم فرق بين الأحباب وأفسد بين الخلان وشتت أسرا كانت مطمئنة. قال عطاء بن أبي رباح: (ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمل خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة ورب غضبة أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله).

الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تغضب) يشمل معنيين:

1- أن يتجنب المرء الوقوع في الغضب ابتداء أو يقلل منه وذلك بأن يعمل بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الحلم والكرم والحياء والتواضع وكف الأذى والصفح والعفو والطلاقة وغير ذلك فإن المرء إذا تحلى بذلك لم يحصل منه الغضب عند وجود أسبابه.

2- أن لا يعمل بمقتضى الغضب إذا وقع فيه بل يجاهد نفسه على ترك ما يأمر به الغضب فإن الغضب إذا ملك الإنسان كان الآمر الناهي له ولهذا قال الله عز وجل في وصفه: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ). فإذا لم يطع المرء غضبه فيما يأمره به وسكن عنه الغضب كان كأنه لم يغضب كما قال تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).

الرابعة: للغضب إذا وقع بالمرء أدوية نافعة إذا عمل بها ذهب عنه وسكن:

(1) التعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ففي الصحيحين عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لست بمجنون.

(2) تغيير الحال التي كان عليها وقت غضبه: فقد أخرج أحمد من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع).

(3) السكوت عن الكلام: فقد أخرج أحمد من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا غضب أحدكم فليسكت قالها ثلاثا).

(4) الوضوء: فقد أخرج أحمد عن عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ).

(5) ذكر الله: من التسبيح والتهليل وتلاوة القرآن قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

(6) التفكر في خطورة الغضب ومآله وعاقبته والآثار المترتبة على إنفاذه والعمل بمقتضاه.

الخامسة: المؤمن القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب ولا ينساق ورائه ويكف نفسه عن الاستجابة له. ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وقال مورق العجلي: (ما امتلأت غيظا قط ولا تكلمت في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت). وقد كان السلف الصالح إذا غضبوا ملكوا أنفسهم عند الغضب. فينبغي على المؤمن أن يوطن نفسه عند الغضب على الصبر وكف النفس والقدرة على التحمل وأن لا يتكلم بكلام أو ينفذ أمرا يندم عليه فيما بعد. ولو تأمل المرء في تصرفاته الهوجاء وأفعاله النكراء حال غضبه لاستحيا من رؤية الناس إليه وهو في تلكم الحال.

السادسة: الحلم خلق كريم وخلة محمودة وهو ترك الغضب وعدم الانفعال عند الخصومة والمشاحة ولا يقوى عليه إلا من ملك نفسه وراقب الله في تصرفاته وهو صفة محبوبة إلى الله تعالى. قال رسول الله لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة). رواه مسلم. ويستحب لمن نزل به الغضب أن يكظم غيظه ولا ينفذه. وقد ورد فضل عظيم لكظم الغيظ. قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره أي الحور شاء). رواه أحمد. وجاء رجل إلى سلمان رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله أوصني قال: لا تغضب قال: أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك. قال: فإن غضبت فاملك لسانك ويدك.

السابعة: للشيطان مداخل خطيرة على المرء ينفذ عليه في أحوال الضعف والخور وفقد السيطرة على النفس ، فإذا انفعل المرء وأسرف على نفسه ولم يملكها حال الغضب أو الفرح أو الحزن أو الطمع أو الخوف أو الشهوة وغيرها تمكن منه الشيطان واستولى عليه. قال الحسن: (أربع من كن فيه عصمه الله من الشيطان وحرمه على النار من ملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب). فمنى طمع المرء في شيء حمله الشيطان على الحصول فيما طمع فيه من أي طريق ولو كان محرما ، ومتى خاف شيئا حمله الشيطان على دفعه بأي طريق ولو كان محرما ، ومتى مالت نفسه إلى شيء وتلذذ به حمله الشيطان على فعله ولو كان محرما ، ومتى غضب حمله الشيطان على إنفاذ غضبه ولو كان محرما ، وهكذا الفرح والحزن. وهذا يوجب على العبد الحذر والاعتدال وتحري حدود الشرع في هذه الأحوال وسلوك القصد في ذلك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى). رواه النسائي.

الثامنة: الغضب المذموم الذي نهى عنه الشرع هو أن يغضب الإنسان انتقاما لنفسه. أما إذا غضب غيرة لله لانتهاك محارمه أو دفعا للأذى عن نفسه وغيره في ذات الله فهذا غضب محمود شرعا وفاعله يثاب على ذلك. قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ). وقالت عائشة رضي الله عنها: (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها). متفق عليه. وفي صحيح مسلم: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يُجاهد في سبيل الله). وكان صلى الله عليه وسلم حليما مع أهله وخدمه. قال أنس رضي الله عنه: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله ما قال أف قط ، ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا). متفق عليه. ولكنه كان إذا عصي الله غضب لذلك وعرف ذلك في وجهه وبين حكم الله فقد دخل يوما بيت عائشة فرأى سترا فيه تصاوير فتلون وجهه وهتكه وقال: (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور). متفق عليه.فينبغي على المؤمن أن يكون حليما مع من أخطأ عليه لأمر من الدنيا يعفو ويصفح عمن ظلمه سمحا بعامل الناس بأريحية تامة خاصة من كان مرتبطا به أما إذا رأى مخالفة لله ورسوله غضب لذلك وانتصر لدين الله.

 

التاسعة: الغضبان يؤاخذ شرعا بما يصدر منه من أقوال وأفعال محرمة من سب ولعن ودعاء. ففي صحيح مسلم عن عمران بن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (خذوا متاعها ودعوها). وثبت في مسلم أيضا من حديث جابر أن رجلا كان يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فلعن ناضحا له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم). ودلت النصوص على أن الغضبان مكلف حال غضبه تنفذ تصرفاته وتصح عقوده ما دام يعقل فيؤاخذ إذا صدر منه كفر أو قتل نفس أو إتلاف لمال ويقع منه الطلاق والعتاق والظهار واللعان واليمين. واختلف الفقهاء في وقوع طلاق الغضبان على أقوال والصحيح أن طلاقه يقع إلا في حالة انغلاق عقله وشدة غضبه بحيث لا يعقل ما يصدر منه لأن باب العلم والقصد قد أغلق عليه كالمكره والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به. وقد روي في مسند أحمد وأبو داود عن عائشة مرفوعا: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) قال أبوداود الإغلاق الغضب. أما إذا كان غضبه خفيفا أو متوسطا بحيث يشعر ويعقل ما يتلفظ به من الطلاق وغيره فطلاقه نافذ. قال رجل لابن عباس رضي الله عنه: إني طلقت امرأتي ثلاثا وأنا غضبان فقال: إن ابن عباس لا يستطيع أن يحل لك ما حرم الله عليك عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك.

خالد بن سعود البليهد

*********

 النفاق وصفات أهله

النفاق أمر عظيم، يجعل أصحابه في الدرك الأسفل من النار،قال تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً }.النساء(145)  فالمنافقون أعظم جرماً من الكافرين، وذلك لتدارك درجاتهم في النار عن الكافرين، فهم في حقيقة أمرهم يجمعون ما بين الكفر والكذب، فهم كافرون في الباطن، كاذبون في الظاهر، لذا كان كفرهم أشد من كفر الكافر المعلن لكفره، وهم أخطر على المسلمين أيضاً، فالكافر ضرره ظاهر واضح،على خلاف المنافق فهو ولي للمسلمين ظاهراً، وفي الباطن عدو لدود، ومن هنا كان عذاب المنافق يوم القيامة أعظم من عذاب الكافر. قال ابن القيم  – رحمه الله -عنهم: ( طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى : {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً}.النساء: (145) ، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى :{هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} المنافقون: (4) 

فالنفاق أمره عظيم، وضرره جسيم، ولخطورة النفاق كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخشونه على أنفسهم قال ابن أبي ملكية أحد التابعين :  كما روى عنه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كلهم كان يخشى على نفسه النفاق, ولا يقول: إن إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل. قال الحافط ابن حجر – رحمه الله تعالى – : والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة، من أجلهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة. . . فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء، كعلي، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم .

وهذا ما جعل ابن الخطاب يخشاه على نفسه إذ قال لحذيفة بن اليمان : أنشدك بالله! ألم يسمني رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منهم؟ وذلك أن حذيفة – رضي الله تعالى عنه- كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلمه بأسماء المنافقين، فخشي عمر على نفسه من أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكره فيمن ذكرهم  من المنافقين ،فأنشده الله إن كان الرسول – صلى الله عليه وسلم- قد أورد اسمه في قائمة المنافقين، وممن اشتهر عنه ذلك من الصحابة: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد كان جالساً مع بعض تلاميذه, فقال رجل منهم: ما أُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين, وإنما أحب أن أكون من المقربين، فقال – رضي الله عنه-: أما إن ها هنا رجلاً يتمنى أنه إذا مات لم يبعث-أي: نفسه- وقال: وددت لو أني شجرة تعضد. 

قال العلامة الحافظ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم):وقال طائفة من السَّلف : خشوعُ النفاق أنْ ترى الجسدَ خاشعاً ، والقلب ليس بخاشع ، وقد رُوي معنى ذلك عن عمر ، وروي عنه أنَّه قال على المنبر : إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم المنافقُ العليم ، قالوا : كيف يكون المنافق عليماً ؟ قال : يتكلم بالحكمةِ ، ويعمل بالجور ،أو قال : المنكر . وسُئل حذيفة عن المنافق ، فقال : الذي يصف الإيمان ولا يعمل به  .وفي  صحيح البخاري عن ابن عمر أنَّه قيل له : إنا نَدخُلُ على سلاطيننا ، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم ، قال: كُنَّا نعدُّ هذا نفاقاً .وفي  المسند  عن حُذيفة ، قال : إنكم لتكلِّمون كلاماً إن كنّا لنعدُّه على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – النفاق ، وفي رواية  قال : إنْ كان الرجلُ ليتكلَمُ بالكلمة على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فيصير بها منافقاً ، وإنِّي لأسمعها من أحدِكم في اليوم في المجلس عشر مرارٍ .قال بلالُ بنُ سعد : المنافق يقولُ ما يَعرِفُ ، ويعمل ما يُنكِرُ .ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاقَ على أنفسهم ، وكان عمرُ يسأل حُذيفة عن نفسه .وسئل أبو رجاء العطاردي : هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخشون النفاق ؟ فقال : نعم إني أدركتُ منهم بحمد الله صدراً حسناً ، نعم شديداً ، نعم شديداً وقال البخاري في  صحيحه : وقال ابنُ أبي مُليكة : أدركتُ ثلاثين من أصحاب النَبيِّ – صلى الله عليه وسلم – كلّهم يخافُ النفاق على نفسه .

ويُذكر عن الحسن أنه قال : ما خافه إلاَّ مؤمنٌ ، ولا أمنه إلا منافق. انتهى .

وكان أبو الدرداء – رضي الله عنه-  إذا فرغ من التشهد في الصلاة يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: ومالك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه .وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وروي عن الحسن أنه حلَف : ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . وكان يقول : من لم يخفِ النفاق ، فهو منافق . والآثار عن السَّلف في هذا كثيرة جداً . قال سفيان الثوري : خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث ، فذكر منها قال : نحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق .وقال الأوزاعي : قد خاف عمر النفاقَ على نفسه . 

والمسلم الصادق لا يقرب مسألتين الأولى الأمن من مكر الله ،قال تعالى : {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }.الأعراف.(99) قال الطبري-رحمه الله-: في تفسير هذه الآية: يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه -يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجاً، مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم- (إلا القوم الخاسرون) وهم الهالكون: أهـ  ولذا عدّ الأمن من مكر الله من أكبر الكبائر ،وعن ابن عباس – رضي الله عنهما- : أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم – سئل عن الكبائر ؟ فقال : (الشرك بالله ، واليأس من رَوح الله ، والأمنُ من مَكْر الله) .وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال  – : أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ، واليأس من رَوح الله .  فالمؤمن الصادق يبقى خائفاً من الله غير آمن من مكره، قال تعالى: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً }.الإسراء(57). وقال سبحانه : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ }.المؤمنون(60) وقد صح عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله تعالى عنها –أنها سألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم –عن هذه الآية فقالت : قلت يا رسول الله:- والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة – أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال : لا يا بنت الصديق ، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه،  فأهل الإيمان لا يأمنون على أنفسهم مكر الله، بل يخافون أن لا تقبل طاعاتهم بسبب موانع إما تتعلق بحظوظ النفس، أو مخالفة الحق مع اعتقاد إصابته، وقد كان الصحابة – رضي الله تعالى عنهم- يخافون على أنفسهم من سوء العاقبة، وما كانوا يغترون بأعمالهم، وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبِي بردة بن أبي موسى الأشْعري، قال: قال عبد الله بن عُمر: هل تدْري ما قال أبِي لأبيك؟ قال: فقلت: لا، قال: قال أبي لأبيك: “يا أبا موسى، هل يسرُّك إسلامُنا مع رسول الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – وهجرتُنا معه وجهادُنا معه وعملُنا كلّه معه برَد لنا، وأنَّ كلَّ عملٍ عمِلْناه بعدُ نجونا منه كفافًا رأسًا برأْس؟”، فقال أبي: لا والله، قد جاهدنا مع رسولِ الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – وصلَّينا وصُمْنا وعمِلْنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشَرٌ كثير، وإنَّا لنرجو ذلك، فقال أبي: “لكنِّي أنا والَّذي نفس عُمر بيدِه، لوددتُ أنَّ ذلك بَرَدَ لنا، وأنَّ كلَّ شيءٍ عمِلْناه بعدُ نجوْنا منه كفافًا رأسًا برأْس”، فقلت: إنَّ أباك – والله – خيرٌ من أبي . قال ابنُ حجر: والقائل هو أبو بُرْدة، وخاطب بذلك ابنَ عُمر، فأراد أنَّ عُمرَ خيرٌ من أبي موسى، فعُمر أفضل من أبِي موسى؛ لأنَّ مقام الخوف أفضل من مقام الرَّجاء، فالعِلْم مُحيط بأن الآدمي لا يخلو عن تقْصيرٍ ما في كلّ ما يريد من الخير، وإنَّما قال ذلك عمر هضْمًا لنفْسِه، وإلاَّ فمقامه في الفضائل والكمالات أشهر من أن يُذْكَر.أهـ.

إلا أن منزلة الخوف الحاملة على عدم الأمن من مكر الله سبحانه،لا تنافي منزلة الرجاء، فمنزلتا الخوف والرجاء متلازمتان، لا تنفك أحداهما عن الأخرى، قال تعالى : { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }. يوسف87. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والأمن والإياس ينقلان عن الملة ،وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة .أ هـ  فالواجب على العبد أن يكون بين منزلتي الخوف والرجاء، وأن لا يكتفي بواحدة منهما، فكما أنّ الأمن من مكر الله سبحانه إثم عظيم وكبيرة من أكبر الكبائر، كذلك اليأس من روح الله، وهو القنوط من رحمة الله تعالى، وهذا من الكفر أيضاً، وكما قال بعض العلماء: إن الخوف والرجاء للمسلم كالجناحين للطائر لا غنى له عن أحدهما، فالمؤمن لا يأمن على نفسه مكر الله، وقد أوردت بعض النقول عن أهل العلم بما يتعلق بأحوالهم مع الأمن، لذا نجد الرسول – صلى الله عليه وسلك – كان يكثر من الدعاء في سجوده، وكا ن أكثر ما يدعو الله به 🙁 اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وذلك أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والشاهد أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يخشى على نفسه من تقلب القلب، وهو الصادق المصدوق المؤيد بالوحي، فكيف بنا نحن؟؟  فالمؤمن،  فلا يأمن على نفسه من الانحراف ، وهذا أصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم يا مقلب القلوب) فالمسلم يبقى خائفاً على نفسه من الفتن التي تموج كموج البحر وتتساقط على الأمة كمواقع القطر،وفي الحديث الصحيح قال – صلى الله عليه وسلم 🙁  بادروا بالأعمال  فتناً كقطع الليل المظلم ).  وأما المسألة الثانية التي لا يواقعها المسلم، هي تزكية النفس، فإن المسلم لا يزكي نفسه ويعلم يقيناً بأن تزكية نفسه من الكبائر قال تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً }النساء(50-49) قال الطبري- رحمه الله تعالى- “فلا تزكوا أنفسكم” [النجم( 32) يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نهى عن هذا الاسم، وسميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا: بم نسميها ؟ فقال: (سموها زينب ). فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئا. أ هـ.   لذا كانت تزكية النفس من علامات الضلال هذا إن كان العبد يرى في نفسه حقيقة هذه التزكية، فكيف بأن يزكي نفسه بما لا يتصف به كحال الكثيرين ، قال تعالى : {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. آل عمران(188) قال ابن كثير – رحمه الله تعالى- وقوله تعالى) : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا  فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ). الآية ، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا ، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة ( وفي الصحيح : ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)  . أ هـ  وقال القرطبي – رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر . ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإذا قدم النبي – صلى الله عليه وسلم – اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فنزلت لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية . وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبنّ أجمعون . فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية ! إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب . ثم تلا ابن عباس وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه و لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا . أ هـ  وإن كانت الآيات ابتداء في أهل الكتاب، فلا يمنع ذلك من دخول المسلمين في عموم المعنى، إذ كل سبيل سلكه اليهود والنصارى وكانوا عليه من الأقوال والأفعال والاعتقادات مما جاء ذمهم في النصوص الشرعية عليه،  يدخل المسلمون في عمومه ،فقد نهى المؤمنون عن اتباع سبيل المغضوب عليهم والضالين، ناهيك عن دلالة النصوص الشرعية المتعلقة بذم تزكية النفس كما في الأحاديث السابقة مما يجعل الحكم عاماً ولا يقتصر على أهل الكتاب بل يعم أهل الكتاب وغيرهم والله أعلم. وهذه مسألة في منتهى الأهمية إذ يترتب  عليها معرفة أحوال المعاندين، والتي يكون المؤمنون على خلافها، فهي تعطي انطباعاً عاماً عن الصفات التي لا بد أن يتصف بها المؤمن، أو الصفات التي يجب على المسلم أن يجتنبها، وهاتان الصفتان، الأمن من مكر الله سبحانه، وتزكية النفس لا يقع فيها مؤمن، وقد جاء ذكر طائفة من أقوال الفضلاء في خوفهم على أنفسهم من النفاق، أو اتهام أنفسهم بالتقصير، سواء وقع الأمر موقع التواضع، أو كان على الحقيقة، أما المنافقون فهم يأمنون مكر الله، لذا يتجرؤون على الكذب والافتراء، ويزكون أنفسهم اعتقاداً منهم أنهم على خير ، قال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }.البقرة(12) وعليه فالنفاق من أعظم الذنوب، فهل تأمن على نفسك من النفاق ؟الجواب: إن كنت من أهل الخير هو: لا. ولكن كيف تنجو من هذا الفعل العظيم؟ ذلك من خلال تعرفك على صفات المنافقين إذ المنافق لا يُعرف إلا من خلال ما يصدر عنه من أقوال أو أفعال تدل على عدم صدقه وغير ذلك، قال تعالى : {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ }.محمد(30) فللمنافقين صفات يعرفون بها، نأتي على ذكرها بعد قليل إن شاء الله تعالى. وللتعامل مع أهل النفاق حالات عدة دلت عليها النصوص الشرعية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الظاهر دليل على الباطن إذ من ترسخ الإيمان في قلبه يستحيل عليه أن يقع في أعمالهم التي  من شأنها أن تقربه من الكفر ولذا أمر الله عبده ورسوله بمجاهدة المنافقين  بالتغليظ عليهم فقال :{أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.النساء(63) وخطاب الله لرسوله خطاب لأمته، فيجب على الأمة أن تعامل المنافقين وفق ما أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ولكن لا بد من تأمل مسألة دقيقة، وهي أن النفاق مسألة قلبية فهي حتماً مسألة غيبية والغيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى:{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }الأنعام50    وقال سبحانه .{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }. الأعراف(188) والرسول صلى الله عليه وسلم داخل في هذا السياق، فهو لا يعلم الغيب قال تعالى : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }.الأنعام(50) وقال سبحانه : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.الأعراف(188) صحيح قد يقال إن الله سبحانه أعلمه بأسماء المنافقين، ولكنه أيضا أعلمه بصفاتهم ، فإن خُفيت علينا أعلامهم لم تخف علينا أحوالهم، فمن اتصف بصفة من هذه الصفات اتصف بصفة دالة على النفاق، فإن كانت من دلائل نفاق الكفر اتصف بها، وإن كانت من نفاق العمل اتصف بها، وقد وقع الخلاف في الحكم عليه هل يحكم بنفاقه أو لا ، على خلاف، ومن اتصف بصفة لا يلزم وصفه بها وأن يأخذ حكمها، فلا يقال منافق، بل يقال فيه علامات النفاق، علماً بأن هنالك أفعالاً لا تدل إلا على نفاق أهلها، خاصة إن كانت متعلقة بناقض من نواقض الإيمان، كالاستهزاء بالمؤمنين، أو التخاذل عن الجهاد، أو خذل المؤمنين مع حاجة المؤمنين إلى النصرة ويتضح ذلك من قوله تعالى : {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }.النساء(88) وقد بسطت القول في هذه المسألة برسالتي- احذروا أدعياء السلفية- وقد دلت الأحاديث الصحيحة على صفات يتصف بها المنافق، يكون المؤمن في منأى عنها كما في الحديث عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ).والإشارة إلى البعض بالنفاق مسألة معلومة في السلف الصالح فعلى سبيل المثال ، حديث ابن مسعود ، قال 🙁 من سره ، أن يلقى الله غداً مسلماً ، فليحافظ على هؤلاء الصلوات ، حيث ينادى بهنّ ، فإن الله شرع لنبيكم – صلى الله عليه وسلم – سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم في بيوتكم ، كما يصلي هذا المتخلف في بيته ، لتركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم ، لضللتم ، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد ، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ، ويرفعه بها درجة ، ويحط عنه بها سيئة ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها ، إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به ، يهادى بين الرجلين ، حتى يقام في الصف). وهذا أثر صحيح رواه أهل الصحاح وغيرهم ، وقد أشار الحديث إلى فائدتين، الأولى كونه منافقاً، الثانية معلوم النفاق، فالحكم عليه بالنفاق كان من باب إتيانه لفعل يدل على نفاقه ، والحكم على نفاقه بالمعلوم كان من باب معرفة الصحابة بأن هذه الأفعال لا تصدر إلا من منافق، وهذا في باب صلاة الجماعة التي دلت الأحاديث على ثقلها على المنافقين كما في الحديث  الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة ، قال : قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ( ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ، ثم آمر رجلاً يؤم الناس ، ثم آخذ شعلاً من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد ). وفي الحديث فائدة قل من ينتبه إليها، وهي أن المنافق يأتي صلاة الجماعة، ولكنه  لا يأتيها إلا متثاقلاً، قال تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }.النساء(142) فالمنافقون كانوا يشهدون الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن لا يشهد الصلاة جماعة؟ بل كيف بذلك العبد الذي لا يصلي أصلاً، فإذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرون عدم إتيان الجماعة من النفاق، فما قولهم بمن لا يصلي؟ حتما هو الكفر : قال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل رحمه الله تعالى: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأفعال تركه كفر إلا الصلاة). والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة وهذا الأثر الصحيح على خلاف ما يفهمه أهل الأهواء، فليس فيه دلالة على أن الإنسان لا يكفر إلا بترك الصلاة، فهنالك أمور كثيرة يكفر العبد بها، لكن الأثر يدل على ترك الفعل، لا على الوقوع في نواقض  الإيمان ، والفرق بينهما واضح، فترك الفعل شيء، والوقوع فيما يناقض الإسلام شيء آخر، فالصحابة -رضي الله تعالى عنهم – متفقون على أن تارك الصلاة كافر، ولم يتفقوا على غير ذلك، أي لا يرون تارك الصيام كافراً، أو تارك الجهاد أو ما شابه ذلك، ولكنهم اتفقوا على كفر تارك الصلاة، وأما ما يتعلق بنواقض الإسلام فهو أمر آخر. وعليه لا دليل لمن حصر الكفر بترك الصلاة، ولست بصدد الإشارة إلى حكم تارك الصلاة فقد فصلت القول فيها، لكنني بصدد الإشارة إلى فائدة يجهلها كثيرون، والقصد من هذا التفصيل الاستدلال على أن ظاهر الفعل يدل على باطنه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب). وهذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره. ومن خلال التعرف على صفات المنافقين تستطيع الحكم على نفسك من أي الفريقين أنت؟ أمن المؤمنين الصادقين ، أم من المنافقين الهالكين؟ وصفات المنافق كثيرة قد أوصلها البعض إلى خمس وستين صفة، وقد يكون هذا في مقابلة شعب الإيمان إذ كل شعبة من شعب الإيمان تقابلها شعبة من شعب الكفر، فصدق الحديث من شعب الإيمان، وعليه يكون الكذب شعبة من شعب النفاق، وكذلك الوفاء بالعهد من شعب الإيمان، وفي مقابله الغدر، وهو شعبة من شعب الكفر وهكذا، وشعب الإيمان بضع وستون شعبة كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإيمان بضع وسبعون أو ، بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ). ومرجع هذه الشعب كلها – أي شعب النفاق- إلى أصل واحد يجمع بينها وهو عدم الإيمان بالله واليوم الآخر قال تعالى : {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }. المائدة(81) وقال :{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ }التوبة45 وعليه فإن عامة أفعال المنافقين آتية من عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، فهم لا يأتون العبادة لكونهم يبتغون الأجر عليها، بل ليحققوا منفعة دنية، أو يدفعوا عنهم ضرراً ، لذلك إن أمنوا الضرر، ولم يتحققوا على منفعة امتنعوا عن القيام بالعمل، ولهذا كانوا يستأذنون الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليرخص لهم في القعود عن الجهاد لما يترتب عليه من ضرر ومشقة، كما في الآية السابقة،ولو كان الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم يحقق لهم منفعة في الدنيا لما توانوا عنه، ولخرجوا مع الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال تعالى : {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة(42) فهذا هو ميزان الإقدام أو الإحجام عند المنافقين، إن كان في الفعل مصلحة لهم أتوه ، وإن لم يكن لهم فيه مصلحة أعرضوا عنه، قال تعالى :{وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ }.النور(49) على خلاف إن كان عليهم، أو لا مصلحة لهم فيه، أو مخالفاً لأهوائهم، قال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.النساء(61) وهذا ما يجب أن تعلمه في نفسك هل لا تُقبل على العبادة إلا إن تحققت لك مصلحة فيها، وتعرض عنها إن لم يتحقق لك مصلحة؟ أم ستأتي العبادة تحت كل الظروف، إذ أصحاب النفوس المريضة، يتخاذلون عن الطاعة لأتفه الأسباب، بل يجعلون عبادتهم لله وفق أهوائهم، فإن رأوا في العبادة ما تقر به أعيونهم أقبلوا عليها بهمة ونشاط، على خلاف إن كانت مخالفة لأهوائهم انقلبوا على أعقابهم فردوا خاسرين، قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }.الحج(11)  جاء في تفسير ابن كثير – رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : وروى البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف . قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاماً ، ونتجت خيله ، قال : هذا دين صالح . وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . وعن ابن عباس أيضاً ، قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ، فإذا رجعوا إلى بلادهم ، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ، قالوا :  إن ديننا هذا لصالح ، فتمسكوا به  . وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط ، قالوا : ما في ديننا هذا خير  . فأنزل الله على نبيه) : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه( . وقال العوفي ، عن ابن عباس : كان أحدهم إذا قدم المدينة ، وهي أرض وبيئة ، فإن صح بها جسمه ، ونتجت فرسه مهراً حسناً ، وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأن إليه ، وقال : ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً  . وإن أصابته فتنة – والفتنة : البلاء – أي : وإن أصابه وجع المدينة ،  وولدت امرأته جارية ، وتأخرت عنه الصدقة ، أتاه الشيطان فقال : والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شراً . وذلك الفتنة . وهكذا ذكر قتادة ، والضحاك ، وابن جريج ، وغير واحد من السلف ، في تفسير هذه الآيةأ هـ  . وقال سبحانه : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ }.العنكبوت(10)  قال ابن كثير – رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية : يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من  المكذبين  الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم ، بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا ، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم ، فارتدوا عن الإسلام ، ولهذا قال الله 🙁 ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) .أهـ  وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ، ويمسي كافراً ، أو يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ). رواه الإمام مسلم وغيره.  وبعد أن تعرفنا على القاعدة العامة التي يتكئ عليها المنافق، لا بد من التعرف على بعض صفاته التفصيلية وهي ليست على الترتيب النصي  بل وفق الاجتهاد أسأل الله العظيم أن أكون وفقت للصواب.

أولاً: الكذب بإظهار الإيمان : قال تعالى :{إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }.المنافقون(1) فالمنافقون يعلنون الإسلام، ويُشهدون الرسول –صلى الله عليه وسلم- على إسلامهم، وهذه هي أصل المسألة، أنهم في الظاهر مظهرون للإسلام، وإلا لو كانوا مظهرين غير الإسلام لحكم عليهم بالكفر، وما أُدخلوا في عامة المسلمين، ولكنّ إظهارهم للإسلام هو ما عصم دماءهم وأموالهم، وهذا معنى الحديث الذي رواه أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل ). رواه الإمام البخاري وغيره. قال القرطبي – رحمه الله تعالى – القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله لعمر: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي). أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفاً، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ابن عطية. وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله عن المنافقين، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واحتج بقوله تعالى: { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } إلى قوله: { وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً } قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول الله عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين.أ هـ  فالرسول – صلى الله عليه وسلم- امتنع عن قتلهم لإظهارهم الإسلام، وخوفاً من أن يقال: إن محمداً- صلى الله عليه وسلم – يقتل أصحابه، لأنهم في حكم الناس عليهم مسلمون، وما وقر في قلوبهم من نفاق وزندقة مسألة غيبية لا يعلمها إلا الله سبحانه، وإلا لو اكتفى الرسول بالحكم على هؤلاء بمجرد علمه بأحوالهم لوقع المسلمون في حيص بيص، ولأدخلوا في المنافقين من ليسوا منهم، ولوقع القتل في الأمة بمجرد الظن والشبه، لكن من رحمة الله سبحانه بهذه الأمة أن جعل الحدود لا تقام إلا بالبينة، وتدرأ بالشبهات، ووقوع القتل في الأمة من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر  روى البخاري – رحمه الله تعالى- في صحيحه عن أبي بكرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال: ( فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ، ألا هل بلغت ، قالوا : نعم ، قال : اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع ، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). وروى البخاري أيضاً عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال 🙁 لا ترجعوا بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض ) .وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود –رضي الله تعالى عنه – قال: قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : ( لا يحل دم امرئ مسلم ، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمارق من الدين التارك للجماعة ) . متفق عليه . فالمسلم معصوم الدم ما لم يأتِ بعمل يستحق عليه القتل، والحكم عليه بالقتل لا بد أن يكون عن يقين وبعد استفاء الشرط وانتفاء الموانع، أما التعجل في إصدار الحكم عن غير بينة  فهذا من عظائم الذنوب قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }.النساء(94) قال القرطبي – رحمه الله تعالى – في تفسير هذه الآية: وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ فحمل عليه أحدهم فقتله . فلما ذكر ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلم- شق عليه ونزلت الآية . وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله : عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة . قال : قرأ ابن عباس ” السلام ” . في غير البخاري : وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته أهله ورد عليه غنيماته . واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة ، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة ، والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعاً ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله ؛ فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب ؛ وقال عليه السلام : إن الأرض لتقبل من هو شر منه . قال الحسن : أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا . وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالاً شديداً ، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، إني مسلم ، فطعنه فقتله ، فأتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله ، هلكت ! قال : وما الذي صنعت ؟ مرة أو مرتين ، فأخبره بالذي صنع . فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه؟ فقال : يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه ؟ قال : لا . فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه . فسكت عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات فدفناه ، فأصبح على وجه الأرض . فقلنا : لعل عدواً نبشه ، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض . فقلنا : لعل الغلمان نعسوا ، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض ، فألقيناه في بعض تلك الشعاب . وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني مرة من أهل فدك . وقال ابن القاسم عن مالك . وقيل : كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ، ولما عظم النبي – صلى الله عليه وسلم- الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلاً يقول : لا إله إلا الله . وقد تقدم القول فيه . وقيل : القاتل أبو قتادة . وقيل : أبو الدرداء . ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه . ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع . وقد روي أن النبي – صلى الله عليه وسلم- رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الائتلاف والله أعلم . أ هـ . ومن هنا يتبين أن من أتى بما يدل على إسلامه يعتبر دمه معصوماً، ولا يجوز قتل امرئ أظهر الإسلام من غير بينة، والمنافقون  ممن أظهروا الإسلام، وعملوا ظاهراً به، ولم يأتوا بما يدل على خلاف ذلك، وإن وقع منهم ما يدل على نفاقهم اعتذروا بعدم العلم أو غلظوا الأيمان بأنهم ما أردوا بفعلهم إلا الإحسان، ولذا لم يحكم بكفرهم ، ولم تعمل أحكام الكفار عليهم، وأما ما يدل على إظهارهم  للطاعة فهذا مبحث النقطة التالية.

ثانياً : إظهار الطاعة وإبطان المعصية: قال تعالى : {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }.النساء ( 81) قال الطبري – رحمه الله تعالى في هذه الآية: يعني بذلك – جل ثناؤه – بقوله : ويقولون طاعة يعني : الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا الناس كخشية الله أو أشد خشية يقولون لنبي الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أمرهم بأمر : أمرك طاعة ، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه، وإذا برزوا من عندك ، يقول : فإذا خرجوا من عندك يا محمد ” بيت طائفة منهم غير الذي تقول ” يعني بذلك – جل ثناؤه – غيّر جماعةُ منهم ليلاً الذي تقول لهم .أهـ  فالمنافقون وإن أسروا الكفر، أعلنوا الطاعة، وأتوا بأنواع العبادات، فهم يصلون ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، وقد ثبت في الحديث الصحيح  عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ) . رواه البخاري وغيره ، وقد يكون المنافق عالماً بأمور الدين بغير إيمان به،  فعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- , يقول: ( أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ) . وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد، بل ثبت أيضاً في النصوص الشرعية ما يدل على تفاني المنافقين في الطاعة كما في قوله في الحديث عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (  يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وعملكم مع عملهم , يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، تنظر في النصل فلا ترى شيئاً ، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئاً ، ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئاً ، وتتمارى في الفوق ) . فهذا الحديث وإن كان متعلقاً بالخوارج إلا أنه لا يمنع دخول المنافقين فيه من باب أولى، إذ فساد الخوارج نابعاً عن فساد في الفهم، وفساد الفهم متعلقه عدم التحقق على التقوى قال تعالى : { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.البقرة(282) وقال سبحانه : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }.يوسف(22)  والمعنى أن الله سبحانه يجزي المؤمنين حكماً وعلماً، وقال سبحانه: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }.الحج(46) وفي الحديث الصحيح عن معاوية قال : سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، يقول : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم والله يعطي ، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) . رواه الإمام البخاري وغيره، ولو كان الخوارج أصحاب قلوب سليمة لما وجدت فيهم الانحرافات العقدية العظيمة، حتى إن الرسول – صلى الله عليه وسلم –أمر بقتلهم لما يترتب على عقائدهم من الفساد والإفساد المفضي إلى استباحة الدماء بغير حق، فعن علي قال: إذا حدثتكم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -حديثاً ، فلأن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه ، وإذا حدثتكم عن غيره ، فإنما أنا رجل محارب ، والحرب خدعة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من قول خير البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة ) . رواه الإمام أحمد في مسنده. بل إن خطر المنافقين على الأمة أعظم من خطر الخوارج، فالخوارج خطرهم واضح بين، لا يخفى إلا على من عميت بصائرهم، على خلاف المنافق فهو خفي الحال، وقد يكون ممن يغتر بهم، ولذا حذر الله سبحانه نبيه –صلى الله عليه وسلم – من الاغترار بهم فقال : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }.المنافقون(4) فإن كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعجب بهيأت المنافقين، ويستمع لأقوالهم، فكيف بعامة المسلمين، وقد بين الله سبحانه عظيم تأثيرهم على المسلمين فقال: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.التوبة(47) قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: أي : مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم ، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم ، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير أهـ وهذا المعنى قريب، لا ينافي القول الثاني الذي يدل على أن المراد بقوله تعالى : (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) . عيونهم الذين يتسمعون قول المؤمنين ثم ينقلونه إليهم، فإن ما يصدر عنهم يوقع الفتنة في المسلمين كما قال تعالى : (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ) . وعليه لا يغتر المسلم بظاهر الأعمال فقد تصدر من أناس منافقين أردوا بأعمالهم  التحقق على مصالح ما سواء كانت مصالح مادية أو معنوية نسأل الله العفو والعافية.

ثالثاً:إظهار محبة المؤمنين وإبطان بغضهم والكذب عليهم  قال تعالى :{وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ }.البقرة (14) وقال سبحانه :{هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }.آل عمران( 119) وهذا من أبرز صفاتهم فهم إن لم يظهروا المحبة للمؤمنين ظهرت حقيقتهم، فالخداع والمكر صفتان لا تنفصلان عن المنافق، وما حمله على إظهار المحبة للمؤمنين ، أمران، الأول: صيانة نفسه وماله، الثاني: التغرير بالمؤمنين والعمل على إشعال الفتنة فيهم لقوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.التوبة(47) وهذه قضية واضحة بل هي أصل النفاق.

رابعاً: العمل على تفريق المؤمنين والتربص بهم ، قال تعالى :{وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة (107)  فهذه الآية الكريمة تبين مدى خطورة المنافقين على المؤمنين، فالمنافقون لا يدخلون للمؤمنين إلا من باب الخير والعمل الصالح، وإظهار القصد الحسن، وقد اتخذوا مسجداً لا لقصد العبادة وتعزيز قوة المؤمنين، بل اتخذوه بقصد خبيث وهو تفريق المؤمنين، فهم يعلمون أن قوة المؤمنين في وحدتهم وتعاونهم، وإنهم لا مجال للدخول عليهم إلا من خلال تفريقهم، فالعمل على إذهاب قوة المؤمنين من خلال دب التفرق والخلاف في صفوفهم مصلحة كبرى للمنافقين، حيث تذهب قوة المؤمنين بتفرقهم قال تعالى :{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }.الأنفال(46) ، وهم مع فساد نياتهم يخادعون المؤمنين بأنهم لا يريدون بفعلهم هذا إلا الحسنى، فهم يأتون بأفعال الخير الظاهرة من أجل  التعرف على مواطن الضعف في المسلمين فيلجوا عليهم من خلالها، كما يتعرفون على أشكالهم من المنافقين والمغرضين فيعملون على تجميع أنفسهم بغية التعاون على ضرب أهداف المؤمنين، ولذا كانت وحدة المسلمين واتفاق كلمتهم، وتيقظهم على ما يدور حولهم سبباً مباشراً لنجاتهم، وعليه فإن العمل على تفريق المسلمين تحت أي شعار أو سبب يكون علامة واضحة على النفاق، أو سوء القصد، فلن تتحقق مصالح المؤمنين العامة إلا من خلال رص الصفوف ووحدة الكلمة، ولن تهزم الأمة إلا ببعدها عن الحق ، وتفرقها إلى أحزاب وشيع.

خامساً: التخاذل عن الجهاد وتخذيل المؤمنين والاعتذار بالانشغال أو الخوف من الوقوع في الفتنة : قال تعالى :{وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ }. التوبة( 86)  وقال سبحانه : {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ }. محمد(20)   فهذه الآيات الكريمة تبين حقيقة واقع المنافقين، فهم يتخاذلون عن الجهاد في سبيل الله، لما في ذلك من مشقة وعناء، وتعرضٍ للموت أو الأسر، وما يتخلل ذلك من نفقة وبعد عن الأهل والوطن، فالمؤمن يقوم بذلك من دافع إيمانه بالله واليوم الآخر، وحبه لنصرة دين الله، وموالاته للمؤمنين، وكل هذا غير متحقق في المنافق، فلا حافز للمنافق على حمل نفسه على المشقة والجهد في مسألة لا يؤمن بها ولا يريدها ، بل ستكون عبأً عليه ،ويعرض بسببها نفسه للتهلكة، لذا نراه معرضاً عن الجهاد مبغضاً له، ويترقب أي فرصة تلوح في الآفاق ليفر من الجهاد دون أن يشك به المؤمنون، وقد ابتليت الأمة في هذا الزمان بترك الجهاد إلا من رحم ربي سبحانه، حتى أصبح الجهاد في مفهوم بعض المسلمين إرهاباً لا يصح إلا دفاعاً عن النفس أو الوطن، بل لم يعد هنالك مفهوم عند معظم المسلمين أن من أبواب الدعوة إلى الله سبحانه الجهاد في سبيل الله، وأن أصل الجهاد هو دعوة الناس إلى الإسلام، وأن عزة المسلمين لا تكون إلا بالجهاد، كما في حديث معاذ 🙁 وذرة سنامه الجهاد). بل الجهاد هو المصدر الأصلي لنمو اقتصاد الأمة كما في الحديث الصحيح : ( وجعل رزقي  تحت ظل رمحي ). وترك الجهاد في سبيل الله سبيل الهلاك والذل واستحقاق العقوبة من الله سبحانه قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ 38 إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.(39 ) التوبة .وما تعانيه الأمة اليوم إنما مرجعه إلى  التخاذل عن القيام بما أوجب الله سبحانه، وهذا يتنافى مع حقيقة الإيمان، فالإيمان قائم على التضحية والجهاد، والمؤمن ملزم بذلك قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.التوبة(111) فالمؤمن لا يترك الجهاد في سبيل الله، بل يحرص عليه ويعمل جاهداً على تحقيقه بخلاف المنافق فهو يعرض عنه ويبغضه، ولا يتوقف عند ذلك بل يثبط غيره عن الجهاد ويخذله قال تعالى : {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ }.التوبة(81)  وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. آل عمران(  156) وقال: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.النور(63) وهكذا يعمل المنافق على تشويه صورة الجهاد في أعين ضعاف الإيمان والجهلة حتى يثبطهم عن واجب هو من أعظم الواجبات التي يكون بها عزة المسلمين وقيام دولتهم، فالصد عن سبيل الله هدف أساسي عند المنافقين، وهذا ما يحملهم على ترك الجهاد والتنفير عنه.

سادساً: التحاكم إلى الطاغوت إلا أن يكون لهم  في حكم الله  مصلحة لهم، قال تعالى :{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }.النساء(61) وقال :{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ 48  وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ 49 أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 50 إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 51}.سورة النور. وهذه صفات  لازمة للمنافقين، فهم من أبعد ما يكون عن أحكام الله لما في أحكام الله سبحانه من مخالفة لأهوائهم، فهم يريدون أن يسيروا الحياة وفق مصالحهم ومشاربهم، لا وفق نظام الإسلام، فهم لا يؤمنون أصلاً بالإسلام حتى يطمئنوا لأحكامه، بل عندهم الإسلام مانع لرغباتهم وحائل دون شهواتهم، فهم لا يقيسون أمورهم وفق ما يرضي الله أو يسخطه، بل وفق ما يريدونه هم أنفسهم، فإرادتهم مخالفة لإرادة الله سبحانه، على خلاف المؤمنين فهم يعملون وفق مراد الله ويسلمون بحكم الله ظاهراً وباطناً كما في قوله تعالى :{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }.النساء(65 ). فالمؤمنون مسلمون لأحكام الله ظاهراً وباطناً،لإيمانهم أن دين الله حق وعدل، والخروج عنه كفر وظلم، فلا يتصور مسلم ينأى بنفسه عن أحكام الله سبحانه مع إيمانه بها، واعتقاده بأنها حق وعدل، بل آنى له أن يخرج عنها إلى غيرها مع علمه بأن كل ما يخالفها ظلم وعدوان، ومن هنا كان التحاكم إلى شرع الله أصلاً أصيلاً عند أهل الإيمان، والخروج عنه صفة لازمة للمنافقين إلا إن تحقق لهم مصلحة فيه كما في قوله تعالى: {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ 49 أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.النور(50) . ومن هنا كان خروج الناس إلا من رحم ربي عن تحكيم شرع الله ظاهراً وباطناً في كل الأمور دون استثناء دليل جهلهم أو عدم تحققهم على الإيمان الحق، فلو كانوا مدركين لمعاني الإيمان لما رضوا بغير حكم الله دستوراً يطبق عليهم، ويرجع إليه في كل أمورهم، لذا وصف الله سبحانه المعرضين عن حكمه بصفات عدة من أبرزها النفاق، ولو فهم المسلمون هذا لما تنادوا بالديمقراطية والوطنية وغيرها، بل لسلّموا لحكم الله تسليماً، فأسأل الله العظيم أن يوفق المسلمين إلى الفهم الصحيح .

سابعاً: موالاة الكافرين  وزعم نصرتهم وتحريضهم على المؤمنين. :قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ) . فهذه الآية الكريمة توضح حقيقة العلاقة ما بين المنافقين والكافرين، وهي علاقة قائمة على الحب والنصرة،وإن لم تكن في الفعل فهي واضحة في القول، والآيات وإن دلت على أسباب النزول فهي متعلقة بحوادث خاصة إلا أن تعلقها بأفعال عامة حقيقة قائمة، فالأسباب المتعلقة بالحادثة الواحدة متفقة بعللها مع منهج عام يقوم عليه المنافقون، وهو كره دين الله وبغض المؤمنين، وحب ذهاب الدين وتشتت أهله، فأينما وجدوا سبيلاً للدخول فيه عزموا أمرهم، وأعدوا عدتهم، قال تعالى : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ }.التوبة(57) وأطماعهم في المسلمين هي عين أطماع الكافرين المظهرين لكفرهم، فكان التلاقي بينهم مسألة حتمية، على خلاف قيام علاقاتهم مع المؤمنين فهي علاقات هشة تحكمها المصلحة سواء تعلقت بدفع ضرر، أو بجلب مصلحة، وعليه كان من شعار النفاق الدخول في موالاة الكافرين، بل إن موالاة الكافرين من دون المؤمنين ردة صريحة، وكفر بواح قال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ }.آل عمران(28 ) وقال تعالى : ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }.المائدة(51) وهذا آيات واضحات في حرمة الدخول في موالاة الكافرين لأن في ذلك خروج من الإسلام، ومن هنا تدرك الحكمة التي لأجلها شدد الله سبحانه على التحذير من موالاة الكافرين، وبيان أحوال الموالين، نسأل الله العفو والعافية 

ثامناً  : الاستهزاء بالمؤمنين وتحقيرهم  والخوض في دين الله تهاوناً به: قال تعالى في حق المنافقين : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }التوبة65 وقال :{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. التوبة(79) وقال: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }.التوبة ( 65)  وقد جاء في تفسير هذه الآيات الكريمة ما رواه الإمام أحمد – رحمه الله تعالى –  قال حدثنا الجريري ، عن أبي السليل قال : وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال : حدثني أبي – أو : عمي أنه رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالبقيع ، وهو يقول : من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة ؟ قال : فحللت من عمامتي لوثاً أو لوثين ، وأنا أريد أن أتصدق بهما ، فأدركني ما يدرك ابن آدم ، فعقدت على عمامتي . فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد سوادا  ولا  أصغر منه ولا أدم ، ببعير ساقه ، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها ، فقال : يا رسول الله ، أصدقة ؟ قال : نعم ، فقال : دونك هذه الناقة . قال : فلمزه رجل فقال : هذا يتصدق بهذه فوالله لهي خير منه . قال : فسمعها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات ، ثم قال : ويل لأصحاب المئين من الإبل ثلاثا . قالوا : إلا من يا رسول الله ؟ قال : إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : قد أفلح المزهد المجهد ثلاثا : المزهد في العيش ، المجهد في العبادة أ هـ . وليت شعري كم يقع كثير من الناس المدعين للإسلام في تحقير الملتزمين والتقليل من شأنهم، حتى أصبحوا أمثالاً سيئة عند الناس، فلا تكاد تجد أناساً يوقرون أهل الدين إلا من رحم ربي سبحانه، بل عاد الملتزمون المتبعون للسنة محطة استخفاف الكثيرين، وهذا مرجعه بلا ريب نابع عن الاستخفاف في الدين، وإلا ما الذي حمل الناس على الإعراض عن مظاهر الالتزام والدخول فيما يعتبر خروجاً عن النهج القويم، ومن ذلك انتشار الربا والزنا والقتل وما إلى ذلك من الفساد المنتشر في الأمة؟ وإلا فمن كان معظماً للدين لا بد أن يكون معظماً لأهله، قال تعالى :{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. التوبة(71) وقال سبحانه : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }.الفتح(29) فيستحيل أن يكون الصادق بإيمانه مستهزئاً بإخوانه المؤمنين، بل على خلاف ذلك فهو يجهد في مناصرة إخوانه والذب عنهم، ورفع مكانتهم، والاعتراف لهم في الفضل والسبق، وعليه كان المستخفون في عباد الله منافقين معلومي النفاق، وهذا ما وضحته وبينته النصوص الشرعية، فكيف بتعذيب المسلمين واعتقالهم وردعهم ونفيهم وقتلهم؟؟؟ قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }. آل عمران(21)  وما أكثر الدعاة المعتقلين في سجون الزاعمين للإيمان، فإن أعداد السجون المخصصة للدعاة تفوق أعداد سجون المنحرفين أضعافاً، فما ذنب هذا الشيخ المعتقل وذاك الشاب المقتول؟ إنه التزامه بالإسلام ودعوته إليه، وليس المشكلة محصورة في زمرة الحكام بل تتعداهم إلى أكثر من ذلك، خاصة أولئك المظهرين لأنفسهم على أنهم دعاة مخلصون حريصون على حمل الناس على التزام منهج السلف الصالح، يباركون للحكام معتقلاتهم هذا إن لم يعملوا على إحيائها بدفع المخلصين في غياباتها، وكل هذا تحت ستار حفظ الأمن، والعمل على سلامة عقيدة المسلمين، فأي عقيدة هذه التي تقوم على مناصر الظالم على المظلوم؟ أي عقيدة هذه التي يلزم أهلها بدراسة مناهج تعمل على مناقضتها وإخراج أهلها منها؟ أي عقيدة هذه التي يسمح لكل عابث وناعق ومبغض بالعمل على نشر فساده في المجتمع المسلم دون قيد أو شرط، في الوقت الذي لا يسمح فيه لأهل العقيدة الصحيحة العمل حتى في حياتهم الخاصة، فيجند الآلف من الجهلة بغية تتبع الملتزمين وضرب مصالحهم والتجسس عليهم حتى لا تقوم لهم قائمة فأي عقيدة هذه؟؟؟ بل إن الأموال في أبواب الفساد تنفق بالمليارات في الوقت الذي يضيق فيه على كل باب قد يلج فيه المسلمون إلى تحقيق أي مصلحة لهم، ثم يلبس على المسلمين بما يسمى بالانتخابات النزيهة وما إلى ذلك من موائد دسمة في ظاهرها امتلأت بالسموم القاتلة والخفايا الفاسدة المدمرة، وعامة المسلمين يركضون وراءها، وما يتمخض عنها ما قال الله سبحانه:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ }. الرعد(14)  وهذا كله من علامات الاستخفاف في الدين، فلن يعمل أعداء الأمة ولا مواليهم على رفع كلمة الحق، ولا المجاهدة في سبيل الله، ولا على هدم مظاهر الكفر والفسق والنفاق، بل لن يعملوا على ما لا يحقق للغرب والشرق مصالحهم ومطامعهم وإن كانت على حساب دماء وأموال الأمة،ولا أدري لماذا يسلك المسلمون كل سبيل قد يؤدي ولو في الحلم إلى تحقيق مصالحهم، في الوقت الذي ينأون فيه عن اتباع السبيل القويم الذي لا يكون فيه تحقيق مصالحهم إلا يقيناً ؟ وإن يتحدث الرويبضة في الأمة، يسمع لهم، ويكون لهم شأن، كل هذا من الاستخفاف في الدين، فانظرن أخي الحبيب إلى ما آل إليه واقع المسلمين، فاحذرن أن تكون ممن يحسبون أنفسهم على شيء، وهم ليسوا على شيء، والله المستعان.

تاسعاً: الامتناع عن أعمال الخير أو التكاسل عنها، وقلة ذكرهم لله قال تعالى : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }. النساء(142)  وقال :{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ }.التوبة(53) وقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ }.التوبة(54) وهذه الصفات ثابتة لأهل النفاق، صحيح قد سبق القول بأن المنافق قد ينشط بأعمال الخير، وهذا لا يتنافى مع حقيقة كونه يتثبط عن القيام بالعبادة، فهو في حقيقته غير مؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وهذا ما يجعله يأتي بالأعمال التعبدية بتثاقل، وما يحمله عليها هو الرياء، أما إن تعلقت مصلحة في إقباله على العبادة فهو ينشط ويسابق، أما مع انعدام المصلحة فهو يرجع إلى أصل حقيقته من تثاقله وفراره،وظاهرة التباطؤ بأفعال الخير ظاهرة منتشرة في المسلمين، بل قد ينقطع كثير منهم عن أعمال الخير، ومنهم من يكون تاركاً للصلاة وغيرها من أركان الإسلام والإيمان، فإن كان القيام بالعبادة تثاقلاً من شأنه أن يبطل العمل ويمنع الإجابة، فمن باب أولى أن يدخل تارك العمل في عموم الهالكين، وتخصيص رسالة في صفات المنافقين ما كانت إلا للتحذير من أعمالهم، والتنبيه لخطرهم، وما أُعدّ لهم في الآخرة، وهذا ما أردت التنبيه إليه، وهو إن كثيراَ من المسلمين قد دخل في أعمال المنافقين من حيث لا يدري، فأخذ يدور في فلكهم، واستُقطَب من خلال فخاخهم، وتزين في زينتهم، حتى أصبح كثير من المسلمين غارقين في التشبه بمن غضب الله عليهم ولعنهم، وكل ذلك بسبب الجهل واتباع الهوى، والأمَرّ من ذلك أن تجد زمرة ممن ينتسبون إلى الصلاح والدعوة، لا ينشطون في ميادين الدعوة إلا بما يتحقق لهم من منافع ذاتية، فإن خُولفت مصالحهم تردت أحوالهم وانقلبوا على إخوانهم، وتجرؤا على التغير والتبديل والقول على الله بغير علم، وحال هؤلاء أسوء من أحوال غيرهم، إذ غيرهم لا ينسبون أعمالهم إلى الإسلام، ولا يعتبرونها أعمالاً صالحة، على خلاف أولئك الرهط فهم يخدعون الناس بخبثهم وفساد نياتهم إذ يجعلون أعمالهم الباطلة الذاتية أعمالاً في مقدمة العبادة الشرعية، والمبصر أمرهم يعلم حقيقتهم وما وراء اندفاعاتهم من جهود يحسبها الجاهل مجاهدة في سبيل الله وما هي إلا كما قال تعالى :{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }.النور(39) ولذلك تجد هؤلاء المدعين للصلاح يجتمعون مع المنافقين في التخاذل عن القيام بما أوجب الله سبحانه، أو العمل على نصرة الدين إن لم يكن في سعيهم مصلحة تعود بالنفع على ذواتهم، نسأل الله العفو والعافية.

عاشراً: التشكيك في قدرة الله سبحانه، وعدم الاطمئنان لوعده.  قال تعالى :{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً }.الأحزاب(12) جاء في تفسير هذه الآية :  وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق . ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً أي باطلاً من القول . وذلك أن طعمة بن أبيرق ومعتب بن قشير وجماعة نحواً من سبعين رجلاً قالوا يوم الخندق : كيف يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرز ؟ وإنما قالوا ذلك لما فشا في أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- من قوله عند ضرب الصخرة ، على ما تقدم في حديث النسائي ; فأنزل الله تعالى هذه الآية أ هـ .فالمنافقون غير مدركين لحقائق النصوص، وذلك لعدم صدق إيمانهم، فلو كانوا مدركين لحقائق التنزيل لما شككوا في قول الرسول – صلى الله عليه وسلم-، ولما أعرضوا عن اتباع ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهذا حال كثير من الناس، تراهم لا يتعاملون مع النص الشرعي وفق ما ينبغي، وهذا ناتج عن عدم تصورهم الصحيح وعلمهم الحق، كما في قوله تعالى : {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ }.التكاثر. فما يجعلهم منصرفين عن اتباع النص هو عدم علمهم اليقين، وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم-، فإنهم أيقنوا حقيقة ما وعدهم به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لذا تحققت في واقعهم المواقف العظيمة التي هي أقرب إلى الخيال من الحقيقة، فما كان لهؤلاء القوم أن يحرروا أنفسهم من قيود الدنيا، وجعلها وراءهم ظهرياً، إلا بما قامت عندهم من قناعات ثابتة فيما يتعلق باليوم الآخر، وعلى خلافهم المنافقون، فلما لم تتثبت في قلوبهم تلك القناعات كانت  مخالفاتهم الظاهرة لما يتعلق باليوم الآخر ظاهرة، وهذا مجال واسع، فلن  يحقق الناس في حياتهم تلك المعاني السامية التي دل عليها الإسلام إلا بتحول أفكارهم إلى قناعات تُحوّل إلى مفاهيم تطبيقية لما اشتملت عليه عقيدتهم الحقة، وعليه فإن عدم التيقن بما دلت عليه النصوص الشرعية أو الاستخفاف بها هو شعبة من شعب النفاق المخرجة عن الدين بالكلية والله سبحانه أعلم.

الحادية عشرة: النشاط في  الطاعة في حال تحقق المصلحة. قال تعالى : {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة(42) وهذه مسألة واضحة قد أشرنا إليها عن قريب، ولكن لا بد من لفت الانتباه إلى حقيقة مهمة، ألا وهي إن كل من ينتظر من طاعته لله منفعة مادية أو معنوية، أو يعمل في طاعته لذلك، أو يعرض عن الطاعة إن لم تتحقق له تلك المنفعة، فهو في مشابهة عظيمة لأهل النفاق، فالمسلم لا يبتغي بعمله إلا وجه الله سبحانه، ويكون مقبلاً على الطاعة في كل أحواله كما في الحديث عن أبي الوليد عُبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسرِ ، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهلهُ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لؤمة لائم) .متفق عليه .

أما أن يجعل التزامه وفق ما يتحقق له من منافع ومصالح، فهذا ليس بإيمان، وقد قدر الله سبحانه أن خالطنا كثيراً من هؤلاء، تراه يعرض عن الطاعة لأسباب شخصية أو نفسية، إذا دارت الأمور وفق مراده نشط في الطاعة وأظهر عظام المواقف، وأما إن خالفت طاعته لله مصلحته انقلب على وجهه، كما في قوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }.الحج(11) وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) . رواه مسلم

وهنالك ما هو أسوء من ذلك، ترى بعضهم إن خولفت مصالحهم ينقلبون على دينهم وينفرون عنه ويتهمون أهله بكل تهمة تجعل الناس في إعراض عنهم، فأخي في الله إن كنت حقاً ترجو الله واليوم الآخر، فلا تجعل طاعتك لله وفق هواك، بل اجعل نفسك عبداً لله في كل أحوالك لتسعد في الدارين الدنيا والآخرة قال سبحانه : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }. الكهف(110).

الثانية عشرة : كثرة حلفانهم بالباطل، قال تعالى : {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }.التوبة(74) وحقيقة إكثارهم من الحلف، راجعة إلى معرفتهم التامة بكذب أنفسهم، فهم يتشككون في تصديق الناس لهم لما هم عليه من النفاق، فيعمدون إلى تغليظ الأيمان ليصدقهم الناس لعلمهم أن المسلمين يكبرون الله ويعظمونه، ولا يتجرؤون عليه، وكثرة الحلف في إثبات صدق الإيمان وحسن الإرادة هي صفة للمنافقين، ولا يعني ذلك أن كثرة الحلف بالله من النفاق ، كلا لا يراد ذلك من قولي من بعيد أو من قريب، بل كما ذكرت أن كثرة الحلف بالله لبيان حسن النية، وسلامة القلب من صفات المنافقين، وإلا فالمسلم ليس بحاجة ليحلف بالله حتى يظهر صدق إرادته فهو يعلم يقيناً أن الله يعلم السر وأخفى، وهو لا يريد من طاعته إلا وجه الله، لذا لا يبالي أصدقه الناس أم كذبوه، وعليه فهو لا يحتاج إلى الأيمان ناهيك عن تغليظها والمبالغة فيها . على خلاف المنافقين فهم لا يفتُرون عن تغليظ الأيمان وإشهاد الله على ما في قلوبهم من الصدق وهم يعلمون من أنفسهم خلاف ذلك كما في قوله سبحانه : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ }.البقرة(204) وقال سبحانه عن المنافقين :{يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ }.التوبة(62) وقال سبحانه : {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.التوبة(95) فالغاية من حلفهم هو إرضاء الناس وليس إرضاء رب الناس، والعلة في ذلك عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وسعيهم الحثيث على مصالحهم سواء كان ذلك دفعاً لضرر، أو جلباً لمصلحة.

الثالثة عشرة : بث الإشاعات في المسلمين قال تعالى : {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }.النساء( 83) وهذا الصفة من أبرز صفاتهم، فهم يعملون على بث معاني الهزيمة في المسلمين من خلال الإشاعات المغرضة سواء كان ذلك في باب السعة، أو في باب الضيق، وهذه صفة يقع فيها كثير من الطيبين، فلا يكادون يسمعون خبراً ما حتى يطيروا به في أرجاء الأرض دون تثبت أو تحقق، وقد يكون هذا من قبيل الوقوع في أعراض المسلمين والتقليل من شأنهم، أو في باب تعظيم الأعداء وتوليد الهيبة منهم، والأصل في المسلم الصادق ألا يشيع خبراً دون أن يتحقق من صحته أو يعلم ما يترتب عليه من نتائج قد تؤدي إلى إحداث فتنِ في المسلمين، بل الواجب عليه أن يرجع الأمور إلى أهلها حتى يتعرف على حقيقتها وكيفية التعامل معها، والمسألة غير منحصرة في ما يتعلق بالنقل عن الناس، بل تتعداه إلى أخبار الأحداث وما يتعلق بواقع الأمة، وحتى بواقع أعدائها، ومن هنا ندرك أهمية وجود العلماء في الأمة، وفضلهم على غيرهم، وكونهم أساساً لا يستغنى عنه، ولا يدار في غير فلكهم، فهم أهل الله وخاصته، وهم من ورث العلم عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهم من ترجع إليهم أمور العامة والخاصة، ويصدر عن آرائهم خاصة إن كانت محل إجماع، ومن دونهم يتخبط الناس في الضلال والظلمات، كما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما – عن النبِي – صلى الله عليه وسلم- , قَالَ 🙁  إِنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ، أَيْ يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ , وَلَكِنْ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ , حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا , فَسُئِلُوا , فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضلوا ) .

وأما أهل النفاق فهم من أعرض الناس عن العلماء وأكثرهم وقوعاً في أعراضهم، وأكثر الناس ترويجاً للشبهات والإشاعات، ومن أبعد الناس عن التحقق والتثبت، وكل هذا مرجعه إلى فساد نياتهم، وضياع عقولهم، وأحقادهم الدفينة على الإسلام وأهله، نسأل الله العظيم أن يعافي المسلمين من أمثالهم وأشباههم.

فأخي الحبيب: إن ما ذكرت من صفات هي من أبرز ما جاء في صفات المنافقين، والأمر لا يتوقف عند هذه الصفات، بل صفاتهم أكثر من الحصر، وكلها راجعة إلى شعب الكفر والزندقة، وهي تعرف بأقوالهم وأفعالهم، وأحوالهم، يتفطن إليها اللبيب، ويعرفها المتتبع لأحوالهم، ويحذرها كل مسلم استنار بنور الإيمان، وقد يخدع المؤمن ببعض المنافقين لما يراه منهم من أعمال صالحة وأقوال مزخرفة وهذا كما قال تعالى : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }. المنافقون(4 ) ولكن المؤمن سرعان ما يتفطن لهم، ويتعرف على حقيقتهم، فهم كما قال تعالى : {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ }. محمد(30) وقد بقي عندنا أن نتعرف على كيفية التعامل معهم من منطلق النصوص الشرعية:

كيفية التعامل مع المنافقين:

لا بد أن تعرف أولَ أن أحوال الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع المنافقين، هو الإعراض عنهم وتعمية أعيانهم عن المسلمين، وقبول أعذارهم، وعدم التعرض لهم أو قتلهم إلا من علم كفره وبان مقصده، قال تعالى : {وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. التوبة (90)  إلى قوله سبحانه : {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }. التوبة(95)  وكان – صلى الله عليه وسلم – يعمل على هدم مخططاتهم، وتفريق جمعهم، وإضعاف شوكتهم، كما في مسجد الضرار قال تعالى : {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.التوبة(107)  وهذا ما يجب أن يكون في المسلمين، وقد جاءت النصوص الشرعية ببيان التعامل مع المنافقين كما في قوله تعالى : {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.النساء( 63)وعليه فأول ما يجب أن يتعامل به معهم هو:

1: الموعظة والقول البليغ: والهدف من ذلك تلين قلوبهم وحملهم على التفكير في نتائج أعمالهم وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة، لعل الله سبحانه أن يدخل الهداية في قلوبهم ، وهذا من قبيل الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة، وقد أمر الله سبحانه رسوليه موسى وهارون -عليهما السلام -حين أرسلهما إلى فرعون ذلك الرجل الجحود الذي ادعى الربوبية، قال لهما : {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }.طه(44) وقال لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }. آل عمران(159)  فالدعوة إلى الله بالحكمة واللين لها أثر طيب في النفوس، ونتائج إيجابية في الواقع، والإنسان يختم له بما مات عليه، لا بما صدر عنه، فقد يتحول الكافر إلى الإيمان فتكتب له النجاة، وقد يتحول المؤمن إلى الكفر فيختم له بشر ويكون من أصحاب النار، وباب التوبة مفتوح لكل مذنب كبر ذنبه أو صغر، وهذا يشمل المنافق أيضاً قال تعالى : {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }.التوبة(11)

2: الإعراض عنهم والتقليل من شأنهم قال تعالى :{أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً }.النساء(63) وقال سبحانه:  {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً }النساء140 {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }.النساء(81) 

3: تنقية صفوف المسلمين منهم، قال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ }.التوبة(83)  وقال سبحانه :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }.آل عمران(118) وقال :{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }.التوبة(47) 

4 : عدم اتخاذهم أولياء قال تعالى : {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }النساء88 {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }.النساء(89)

5: هدم مكائدهم وتفريق جمعهم كما في قوله تعالى : {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }.التوبة(108) وقد أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم- أصحابه بهدم مسجد الضرار حتى لا يكون للمنافقين مكان يجتمعون فيه، ولا يتكثرون على المؤمنين من خلال أوكارهم العفنة النجسة، وهذا ما يجب أن يفعل بهم في كل مكان وزمان حتى لا تقوم لهم قائمة، ولا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، والله سبحانه أعلى وأعلم

*********

من صفات المؤمنين

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *
إلاَّعَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ *
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}المؤمنون:1-9..

( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ
والْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)

( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًامِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)..
}إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَاللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ*
أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{(1).

}التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِوَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ{(4).
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً الأحزاب : 36
﴿ وَعِبَادُالرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً.إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً.
وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً. وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
فِيهِ مُهَاناً. إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً. وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً. وَالَّذِينَ
إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواعَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً.
أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً.خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ
مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً. قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّيلَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً.﴾

فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [36]
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
[37] وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّارَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [38] وَالَّذِينَ
إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ
[39] وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
[40] وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ الشورى : 41

لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُاللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ آل عمران : 28
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْأُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الأنفال: 74
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَعَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ التوبة:
71

إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الحجرات : 10

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْوَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الحجرات : 15
ثانيا: صفات المؤمنين في السنة النبوية

-1 مهما كانت الظروف لا يبدل ولا يغير :

فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
“عجبت لأمر المؤمن, ﺇن أمره كله له خير, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمنين, إن أصابته سراء شكر فكان خير له, وﺇن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”
أكثر الناس في الرخاء, يحمدون الله ويشكرونه, أما عند أول بادرة مشكلة, تجده ساء ظنه بالله, أساءالظن بالله, أهمل عبادته.
فالإنسان الذي يتغير, انظر تغير الظروف, ليس مؤمناً كاملاً كما قال عليه الصلاة والسلام.
الله عز وجل قال:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾
سورة آل عمران الآية:146
حينما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
سورة الأحزاب الآية:10
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ سورة الأحزاب لآية:11 ﴿وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ سورة الأحزاب الآية:12 ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ سورة الأحزاب الآية:23
معناها: تغير ظنك بالله مع تغير الظروف, تغير عبادتك مع تغير الظروف, تغير استقامتك مع تغير الظروف,هذا ينفي عنك الإيمان الكامل, أما المؤمن الإيمان الكامل: “ﺇن أصابته سراء شكر فكان ذلك له خير, وﺇن أصابته ضراء صبر فكان ذلك له خير”
وليس ذلك لغير المؤمن, التغيير: أن في العقيدة, أو في حسن ظنك بالله, أو في العبادة, أو في السلوك,أو في الإقبال والإعراض,
إذا حصل تغييراً مع الظروف, عليك أن تشمر على ساعد الجد, وأن تجدد إيمانك, المؤمن الصادق: لا يغير ولا يبدل:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
سورة آل عمران الآية:146
هذه أول خاصة؛فسوء الظن, أو حسن الظن في العبادة: السلوك, الاستقامة, عقيدة, عبادة, سلوك, ﺇن تبدلت وتغيرت,
وفق المعطيات والظروف, وإقبال الدنيا وإدبارها, معناها: ليس هذا هو المؤمن الذي أراده الله عز وجل, المؤمن لا يبدل ولا يغير:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
سورة الحج الآية:11
هذا ما يضع الله به المؤمن : الله عز وجل لا يمكن إلا وأن يضع المؤمن في امتحان دقيق:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
سورة العنكبوت الآية:2
لا بد من امتحان: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
سورة البقرة الآية:155
2- محبته للمؤمنين يؤلمه ما يؤلمهم, ويفرحه ما يفرحهم : الصفة الثانية:في الحديث المتفق عليه:
“المؤمن للمؤمن كالبنيان, يشد بعضه بعضاً”
أخرجه النسائي في سننه
يعني: تعاونك مع أخوانك من علامة إيمانك, محبتك لأخوانك من علامة إيمانك, أن تخفف عنهم بعض المتاعبمن علامة إيمانك, فالتعاون من صفات المؤمن,
والتنافس من صفات المنافس, لذلك قيل:
“لابد للمؤمن من كافر يقاتله, ومن منافق يبغضه, ومن مؤمن يحسده”
إذا المؤمنون تحاسدوا, هبط مستواهم جميعاً.
العلامة الثانية:أن تحب المؤمنين, أن تعاونهم, أن يؤلمك ما يؤلمهم, أن يفرحك ما يفرحهم, أن يسعدك مايسعدهم,
لذلك: أصاب أحد المؤمنين خير, تحس أنه خير, لك إنسان ارتقى, إنسان نجح في عمل,إنسان نجح في زواج, نجح في شهادة, مؤمن من أخوانك,
إن فرحت له فرحاً حقيقياً, فأنتمؤمن ورب الكعبة, أما المنافق:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُ مْحَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
سورة آل عمران الآية:120
فهذه علامة ثانية. “المؤمن للمؤمن كالبنيان, يشد بعضه بعضاً”
3- يتميزبحسن الخلق :
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث عن المؤمن:
“مامن شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن”
أخرجه أبوداود والترمذي في سننهما
الإيمان:حسن الخلق, الإيمان يعني: الشجاعة, الإيمان يعني: الكرم, الإيمان يعني: الحلم, الإيمان يعني: العفو, الإيمان يعني: المسامحة, الإيمان يعني: التواضع.
“ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن”
أخرجه أبوداود والترمذي في سننهما
يعني: إذا قلت: مؤمن, معنى ذلك: أنه ذو أخلاق حسنة, فإذا كانت أخلاقه سيئة, كان سبب التنفير من الدين, وكان في مستوى لا يرضي الله أبداً,
وأبرز ما تظهر أخلاقه في بيته, لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
“خيركم خيركم لأهله”
أخرجه الترمذي في سننه
طبعاً: إنسان في بيته, لا يوجد عليه رقابة, ولا يخش شيئاً, فإذا كان أخلاقياً في بيته, فهو أخلاقي قطعاً مع الناس, أما إذا كان خارج البيت لطيف, ومهذب,
وفي البيت شرس, فهذا اللطف والتهديد,ليس أخلاقاً ترضي الله, لكنها أخلاق نفعية, مبنية على ذكاء الإنسان, وعلى مصالحه, لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
“إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”
أخرجه أبوداود عن عائشة في سننه
“المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”
أخرجه أبوداود عن عائشة في سننه
4- من لوازم المؤمن: تلاوة القرآن الكريم :
وفي الحديث الصحيح:
“مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن, مثل الأترجَّة –البرتقالة- ريحها طيب, وطعمها طيب, ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن, كمثل التمرة,
لا ريح لها, وطعمها حلو, ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن, مثل الريحانة, ريحها طيب, وطعمها مر, ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن, كمثل الحنظلة, ليس لها ريح, وطعمها مر”
معنى ذلك:من لوازم الإيمان تلاوة القرآن, القرآن ربيع المؤمن, القرآن حبل الله المتين, القرآن هو الصراط المستقيم, المؤمن يتعبد الله بتلاوة القرآن.
بشرى لك ياقارئ القرآن :
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
“من تعلم القرآن, متعه الله بعقله حتى يموت”
يعني: تعلم كتاب الله, نجاة من الخوف, ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾
سورة النحل الآية:70
“من تعلم القرآن, متعه الله بعقله حتى يموت” معنى ذلك:أن تلاوة القرآن, وفهم القرآن, وتدبر القرآن, والعمل بالقرآن, من لوازم المؤمن.
5- لا يبتاع على بيع أخيه, ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر :
“المؤمن أخو المؤمن, فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه, ولا أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر”
أخرجه مسلم في الصحيح
علامة الإيمان: إذا كان أخوك باع بيعة, وسعرها معقول, أردت أن تنافسه, فسألت الذي اشتراها:
بكم اشتريتها؟ أنا أعطيك أفضل منها, وأرخص, ردها إليه, ليس هذا من صفات المؤمن.
يقول عليه الصلاة والسلام:
“المؤمن أخو المؤمن, فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه, ولا أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر”
كان السلف الصالح: كانوا على عكس ذلك, يأتي المشتري يشتري, يأتي المشتري الثاني, يقول: لا, أنااستفتحت, اذهب إلى جاري.
هكذا كان السلف الصالح –نعم-.
هذه من صفات المؤمن: أن تبتاع على بيع أخيك, أو أن تخطب على خطبة أخيك, هذا يتنافى مع كمال الإيمان.
6- الكياسة والعقل والفطنة والذكاء :
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
“لايلدغ المؤمن من حجر مرتين, من جرَّب المجرب, كان عقله مخرب”
“لايلدغ المؤمن من جحر مرتين”
“لاأسمح -كما قال الشافعي- لعدوي أن يغشني مرتين”
“المؤمن كيس فطن حذر”
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
سورة النساءالآية:71
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ سورة النساءالآية:71
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: “المؤمن كيس فطن حذر” فأن تجد مؤمناًخباً, مستحيل أن تجده مخدوعاً, مستحيل, لأن سيدنا عمر رضي الله عنه يقول:
“لست بالخب ولا الخب يخدعني”
أي لست من الخبث بحيث أخدع, ولا من السذاجة بحيث أَخدع.
إذاً: الكياسة,والعقل, والحذر, والفطنة, من صفات المؤمن, والأخلاق العالية, ألا تبتاع على بيع أخيك,ولا أن تخطب على خطبة أخيك, من صفات المؤمن ……
7- من مبشراتالمؤمن :
يقول عليه الصلاة والسلام:
“أرأيت الرجل, يعمل العمل من الخير, ويحمده الناس عليه”
شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام:
“يارسول الله! أرأيت الرجل, يعمل العمل من الخير, ويحمده الناس عليه؟ فقال عليه الصلاةالسلام: تلك عاجل بشرى المؤمن
أحياناً:المؤمن مستقيم, وعمله طيب, شيء طبيعي جداً, أن يلهج الناس بالثناء عليه, أن يحبونه,أن يمدحونه, فهذا ليس رياء ولا نفاقاً, طبيعة إيمانه تقضي:
أنه مستقيم, أنه صابر, أنه متواضع, أنه رحيم, فلان
أخلاقه الإيمانية أخلاق رضية, الناس يحبونه, فإذا أحبه الناس,وأثنوا عليه, ليس معنى هذا: أنه يتمنى السلوك,
أن ينتزع إعجابهم, لا, هذا هو الإيمان.هذه بشرى معجلة من الله عز وجل.
يعني: إذاأحبك الله, ألقى حبك في قلوب الخلق.
وقد قال بعضهم في تفسير قوله تعالى…….
يعني: إذاأحبك الله أحبك الناس, لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن, فحب الخلق لك إذاكنت مستقيماً, ومؤمناً إيماناً كاملاً, هذه بشرى من الله.
“يارسول الله, أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير, ويحمده الناس عليه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تلك عاجل بشرى المؤمن”
8- ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء :
ويقول عليها لصلاة والسلام:
“ليس المؤمن بالطعان, ولا اللعان, ولا الفاحش, ولا البذيء”
أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود
يضبط لسانه,لا يطعن, ولا يلعن, ولا يفحش في القول, ولا يستخدم العبارات البذيئة.
أحياناً:يقول لك: إذا لم تكن قاسياً, الصانع لا يكون رجلاً, أنت كنت قاسياً, لكنك خالفت السنة,أحياناً: يسب أباه على الذي خلفه, أنت مثل كذا البعيد, هذه أخلاق المؤمن؟
هذه أخي هذه مصلحة, لا ليست مصلحة, ليس لك مصلحة بهذا الكلام, مهما كان الظرف عصيباً, أن تتلفظ بكلمات نابية, أن تقسو بالكلام.
“ليس المؤمن بالطعان, ولا اللعان, ولا الفاحش, ولا البذيء”
أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود
الفحش: مجاوزة القدر المعلوم إلى قدر لا يحتمل, كلام قاس, ذكر عورات, سباب, لعن, طعن.
“ليس المؤمن بالطعان, ولا اللعان, ولا الفحش, ولا البذيء”
أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود
هذه من صفات المؤمن, الذي رضي الله عنها.
بماذا تتعلق نفس المؤمن؟ وماذا تفهم من هذه الأحاديث؟ :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
“نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه”
يعني: موضوع الدين: هذا من حقوق العباد.
“وحقوق العباد مبنية على المشاححة, بينما حقوق الله مبينة على المسامحة”
وأكثر الناس يتوهمون: أنهم إذا ذهبوا إلى الحج, عادوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم, هذا كلام صحيح إلى حد ما, فيما بينك وبين الله,
عدت من ذنوبك التي بينك وبين الله كيوم ولدتكأمك, أما في الذنوب التي
بينك وبين الناس, هذه لا تسقط ولا بمثابة حجة, لا تسقط إلابالأداء والمسامحة, بالأداء أو المسامحة, فلذلك: موضوع الدين, أما الذمة الواسعة:
يتساهل,حالته المالية جيدة, من أموال لا تأكلها النيران, ما لم
أعطيه, لست مؤمناً, لأن نفس المؤمن معلقة بدينه, حتى يقضى عنه, بل إن الشهيد الذي بذل روحه في سبيل الله, يغفرله كل ذنب إلا الدين, أبداً.
كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يصلي على أحد أصحابه, يقول:
“أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم, يقول: صلوا على صاحبكم, فإذا قال أحدهم: علي دينه, صلى عليه”
ومرة قال:
“أعليه دين؟ قالوا: ديناران, فقال: صلوا على صاحبكم, فصلوا عليه, إلى أن قال أحدهم: علي دينه يا رسول الله -ابن مسعود- فصلى عليه النبي,
في اليوم التالي سأله: يا بن مسعود, أدفعتالدين؟ قال: لا, في اليوم
الثالث سأله: يا بن مسعود, أدفعت الدين؟ قال: لا, في اليوم الرابع سأله: يا بن مسعود, أدفعت الدين؟ قال: نعم, قال: الآن ابترد جلده”
معنى ذلك:أن نجاة الإنسان من عذاب الدين, ليس بالكلمات, ولكن بالأداء –نعم-.
حديث ينبغي أن تعلمه :
يقول عليه الصلاة والسلام:
“لايتمنى أحدكم الموت, ولا يدع به من قبل أن يأتيه.
يعني: أكثر الناس لأتفه سبب, الله ينهي عمره, ويخلصمن الحياة, هذا كلام غير إسلامي-.
ﺇنه إذا مات انقطع عمله, وﺇنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً”
العمر لايزيد المؤمن إلا خيرا, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
“خيركم من طال عمره وحسن عمله”
أيضاً: لابد من ضبط اللسان, في ساعات الغضب, في ساعات الشدة, معظم الناس يدعون على أنفسهم, أوعلى أولادهم, أو على أهليهم بالموت.
يقول عليه الصلاة والسلام:
“لايتمنى أحدكم الموت, ولا يدع به من قبل أن يأتيه, ﺇنه إذا مات انقطع عمله, وﺇنه لا يزيدالمؤمن عمره إلا خيراً”
ويقول عليه الصلاة والسلام:
“المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.
والقوة مطلقة؛ هناك قوة المال, هناك قوة السلطان,فالمؤمن المتفوق: يستطيع أن يفعل الخيرات الكثيرة,
التي لا يستطيع أن يفعلها الضعيف,المؤمن الغني يستطيع أن يفعل الخيرات,
التي لا يستطيع أن يفعلها
الفقير, والمؤمن العالم يستطيع أن ينفع الناس بعلمه, بحيث لا يستطيع الجاهل أن يفعل ذلك, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
“علوالهمة من الإيمان”
التفوق منصفات المؤمن, القوة المطلقة خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف, لكن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي الحكمة, قال:
وفي كل خير”
يعني: حتى المؤمن الضعيف على العين والرأس, حتى المؤمن العابد غير العالم على العين والرأس, حتى المؤمن الفقير على العين والرأس, لكن أنت بالقوة المالية,
والإدارية, والعلمية, تستطيع أن تفعل أشياء
كثيرة, لا يستطيعها الأقل منك درجة, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
“المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف, وفي كل خير, احرص على ما ينفعك, واستعن بالله ولا تعجز,
-احرص, الاستسلام, والمشكلة, الخنوع, يقول لك: هذا حظي, هذا قدري,ليس بيدي شيء, لا؛
لا تستسلم, لا تيأس, لا تخنع, لا تستخز-.
وﺇن أصابك شيء, فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا, ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل, فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان”

يعني المؤمن: كل شيء أصابه,يعد برداً وسلاماً, يراه من الله عز وجل 

*********

الرياء وحكمه في الإسلام

 

دلت أدلة الكتاب والسنة من الآيات والأخبار على تحريم الرياء وذم فاعله قال تعالى :

 (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ* الذين هم يراءون )

الماعون : 4-6

 ويقول الله عز وجل : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الكهف:110

وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل : ” أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ” وقال صلى الله عليه وسلم :

إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ” قالوا : وما الشر الأصغر يا رسول الله ؟ قال : ” الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم : ( اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء) .

رأى أبو أمامه الباهلى رجلا في المسجد يبكى في سجوده فقال : أنت أنت لو كان هذا في بيتك .

 

بيان حقيقة الرياء وجوامع ما يراءى له :

الرياء مشتق من الرؤية ، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإرائهم خصال الخير ، والمراد به كثير ويجمعه خمسة أقسام وهي جوامع ما يتزين به العبد للناس وهي : للبدن والزي والقول والعمل ولاتباع والأشياء الخارجة .

فأما الرياء في الدين بالبدن فبإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوف الآخرة .

وأما الرياء بالهيئة والزي فمثل تشعيث الشعر ، وإطراق الرأس في المشي ، والهدوء في الحركة ، وإبقاء أثر السجود على الوجه ، كل ذلك يراءى به .

وأما الرياء بالقول فرياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة والآثار لإظهار شدة العناية بأحوال الصالحين وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس .

وأما الرياء في العمل فكمراءاة المصلى بطول القيام وطول السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات .

وأما المراءاة بالأصحاب والزائرين كالذي يتكلف أن يستزير عالما لمن العلماء ليقال : إن فلانا قد زار فلانا .

 

بيان المراءى لأجله :

اعلم أن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما يرائي لإدراك حال أو جاه أو غرض من الأعراض ، وله درجات أحدها أن يكون مقصوده التمكن من معصيته كالذي يرائي بعبادته ويظهر التقوى والورع وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى منصبا أو يسلم إليه تفرقة مال ليستأثر بما قدر عليه منه ، وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى ، لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته ثانيها أن يكون غرضه نيل حظ

من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح كالذي يظهر العلم والعبادة ليرغب في تزويجه أو إعطائه ؛ فهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول .

الثالث : أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ، ولكنه يظهر عبادته خوفا من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة العامة .

 

بيان الرياء الخفي :

الرياء جلى وخفي : فالجلي هو الذي يبعث على العمل يحمل عليه ولو قصد الثواب وهو أجلاه ، وأخفى منه قليلا الذي لا يحمل على العمل بمجردة إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه ، ومن الرياء الخفي كذلك أن يخفي العبد طاععاته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يقابلوه بالبشاشة والتوفير ، وأن يثنوا عليه ، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يثنوا عليه ، ، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء ، وأن يوسعوا له المكان فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ، ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون في إخفاء طاعاتهم أعظم مما يحرص الناس عل إخفاء فواحشهم ، كل ذلك رجاء أن يخلص أعمالهم الصالحة فيجازيهم الله يوم القيامة بإخلاصهم إذ علموا أنه لا يقبل يوم القيامة إلا الخالص ، وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة .

 

دواء الرياء وطريق معالجة القلب منه:

عرفت أن الرياء محبط للأعمال ، وسبب للمقت عند الكبير المتعال ، وأنه من كبائر المهلكات ، وما هذا وصفه فجدير التشمير عن ساق الجد في إزالته و علاجه ، وها هنا مقامان:.

أحدهما: قطع عروقه وأصوله وهي حب لذة المحمدة والفرار من ألم الذم والطمع فيما أيدي الناس ، فهذه الثلاثة هي التي تحرك المرائى إلى الرياء وعلاجه أن يعلم مضرة الرياء وما يفوته صلاح قلبه وما يحرك عليه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله تعالى ، وما يتعرض له من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر ، كما فمهما تفكر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزين الهم ف الدنيا بما يفوته في الآخر وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال فإنه يسهل عليه قطع الرغبة عنه كمن يعلم أن العسل لذيد ولكنه إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه .

المقام الثاني : دفع العارض منه أثناء العبادة وذلك لابد أيضا من تعلمه فإنه من جاهد نفسه بقطع مغارس الرياء وقطع واستحقار مدح المخلوقين وذمهم فقد لا يتركه الشيطان في أثناء العبادة بل يعارضه بخطرات الرياء فإذا خطر له معرفة إطلاع الخلق دفع ذلك بأن قال لنفسه مالك وللخلق علموا أو لم يعلموا والله عالم بحالك فأى فائدة في علم غيره ، فإذا هاجت الرغبة إلى لذة الحمد ذكر ما رسخ في قلبه آفة الرياء وتعرضه للمقت الإلهي والخسران الأخرى .

 

بيان الخطأ في ترك الطاعات خوفا من الرياء :

من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به ، وذلك غلط ومواقفه للشيطان وجر إلى البطالة وترك للخير ، فما دام الباعث على العمل صحيحا وهو في ذاته موافق للشرع الحنيف فلا يترك العمل لوجود خاطر الرياء ، بل على العبد أن يجاهد خاطر الرياء ويلزم قلبه الحياء من الله وأن يستبدل بحمده حمد المخلوقين .

قال الفضل بن عياض : العمل من أجل الناس شرك ، وترك العمل من أجل الناس رياء ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما .

وقال غيره : من ترك العمل خوفا من الرياء فقد ترك الإخلاص والعمل .

*********

هؤلاء ممن يحبهم الله

 

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

” إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ” صحيح البخاري

إن من المسلمين أصنافاً يحبهم ربهم وينزل عليه رضاه فيا فرحة المحبوبين عند ربهم ويا سعادتهم عند لقائه، لذا كتبت في هذا الموضوع لعل القراء يقتدون بهم فيكونون من الذين يحل عليهم رضوان ربهم ويتكرم عليهم بمحبته جل جلاله، فتلك المحبة وذلك الرضوان هو غاية كل مؤمن وهدف كل مسلم وبغية كل عابد.

فإننا إذا قلبنا النظر في كتاب الله- جلّ وعلا- وتدبرنا آياته سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لعرفنا من هم الذين يستحقون محبته فيحبهم وتحبهم ملائكته، ويجعل لهم القبول في الدنيا لما روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ” رواه الإمام البخاري

فصفات المحبوبين عند الله والمقربين إليه كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فنذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ما يلي فالله تعالى يجب من عباده:

1-    التوابون:

قال تعالى: { فمن تاب من بعد ظُلمه وأصلح فإنَّ الله يتوب عليه إنَّ الله غفورٌ رحيم } المائدة:39.

وقال تعالى: { كتب ربُّكم على نفسه الرَّحمة أنَّه من عمل منكم سُوءًا بجهالة ثُمَّ تاب من بعده وأصلح فأنَّه غفورٌ رحيم }الأنعام:54

. وقال تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبدِّلُ الله سيِّئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رَّحيماً } الفرقان:70

،وعن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه » [رواه مسلم] ودليل محبة الله تعالى للتوابين قوله تعالى: { إنَّ الله يُحبُّ التَّوابين ويُحبُّ المُتطهِّرين } البقرة:222 ،

وقد ذكر أهل العلم للتوبة شروطاً هي:

1- أن تكون التوبة خالصة لله- عزّ وجلّ.

2-     الندم على ما فات من الذنوب.

3-    الإقلاع عن المعصية فوراً فلا تصح التوبة مع الإصرار على المعصية.

4-    العزم على عدم العودة إلى المعصية في المستقبل.

5- أن تكون التوبة قبل انتهاء وقتها أي قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور الأجل.

6- إذا كانت المعصية متعلقة بالعباد كاغتصاب الأموال مثلاً فيجب إعادة الحقوق إلى أصحابها وإن كانت المعصية غيبة أو نميمة أو ما شابه ذلك فيجب الإستبراء منهم والدعاء لهم في ظهر الغيب وذكر محاسنهم في المجالس التي ذكرهم بسوء فيها. 

2- المتبعون لسنة النبي صلى الله عليه وسلم:

وهم الذين يقتفون أثر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك باتباعه في جميع شئون حياتهم من مأكل ومشرب وملبس وهيئة وعبادة وعلاقات اجتماعية وأسرية والمتأمل في سيرته صلى الله عليه وسلم ليجد بغيته في مواجهة هذه الحياة وما فيها من فرح وحزن وسرور وكدر روى أنس- رضي الله عنه- أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال بعضهم: لا آكل اللحم وقال بعضهم: لا أنام على فراش فحمد الله وأثنى عليه فقال: « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني » رواه مسلم،

ودليل محبة الله تبارك وتعالى لمن يتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { قُل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحْبِبْكُمُ الله ويغفر لكم ذُنُوبَكُمْ واللهُ غفورٌ رحيم }آل عمران:31

3- المقسطون:

وهم: العادلون في جميع شئونهم مع أنفسهم ومع غيرهم ودليل محبة الله تعالى لهم قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الَّذين لم يُقاتلوكم في الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقسطوا إليهم إنَّ الله يُحِبُّ المُقسطين } الممتحنة:8

4- المحسنون:

وهم: الذين ينفقون على أنفسهم وعلى غيرهم يبتغون ما عند الله من الأجر والمثوبة ولا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى ودليل محبة الله تبارك وتعالى لهم قوله تعالى: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إنَّ الله يُحبُّ المحسنين } البقرة:195

5- المحبون للقاء الله تعالى:

فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وهذا لا يقصد به تمني الموت وإنما الإنسان المؤمن إذا حانت منيته وقرب أجله وبدأ يحتضر ففي هذه اللحظة يبشر برضوان الله فيحب لقاء الله تبارك وتعالى ويحب الله لقاءه، وأما الإنسان الكافر إذا احتضر فإنه يبشر بغضب الله فيكره لقاء الله ويكره الله لقاءه ودليل ذلك ما رواه عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وأن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه كره لقاءه وكره الله لقاءه » رواه الإمام البخاري 

6- المتقربون إلى الله بنوافل العبادات والمكثرون من ذكره:

إن أفضل ما عمرت به الأوقات واشتغلت به القلوب والجوارح هو ذكر الله تبارك وتعالى في كل حين وعلى كل حال فالذاكرون يذكرهم الله يقول سبحانه وتعالى: { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } البقرة:152

وروى أبو هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: « أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذ ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرَّب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » رواه الإمام البخاري،

 فالتقرب لله سبحانه وتعالى يكون بنوافل العبادات من صلاة وصيام وصدقة والإكثار من ذكر الله بالتحميد والتسبيح والاستغفار.

7- طالب العلم الشرعي:

إن الله تعالى إذا رضي على العبد وأحبه سهل له طريق طلب العلم لما روي عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: على هذه الأعواد « اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، من يرد الله به خيراً يفقه في الدين » رواه الإمام أحمد في مسنده،

ومن ثم إذا سهل الله تعالى لطالب العلم طريق طلب العلم فقد سهل له طريقاً إلى الجنة لما روي عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه » رواه الإمام مسلم

فمن محبة الله تعالى للعبد توفيقه لطلب العلم والزيادة في الأعمال الصالحة.

8- المتحابون في الله:

إن المتحابون في جلال الله يناديهم ربهم وهو أعلم بهم ويحل عليهم رضوانه وفضله وجوده وكرمه فيظلهم يوم القيامة يم لا يظل إلا ظله سبحانه، فلقد روى أبو هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يقول القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي » رواه مسلم

9- المكثرون من الطهارة والمتجملون لله:

والطهارة هي إزالة النجاسة من البدن والملابس وأماكن العبادة والله سبحانه يحب من عباده المتطهرين لقوله تعالى: { فيه رجالٌ يُحبُّون أن يتطهَّروا واللهُ يحبُّ الْمطَّهِّرين } التوبة: 108

أما التجمل لله فهو التزين لله بلا كبر ولا استحقار لعباده لما روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس » [رواه الإمام مسلم] والله سبحانه وتعالى أمرنا بأخذ الزينة عند أداء الصلاة والذهاب للمساجد للعبادة فقال تعالى: { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنَّه لا يُحبُّ المُسْرِفِين } الأعراف: 31

10- صاحب السواك والمستاكون:

والسواك سنة نبينا صلى الله عليه وسلم فكان إذا استيقظ من النوم بدأ بالسواك وإذا دخل المنزل بدأ بالسواك روت عائشة- رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم: « السواك مطهرة للفم مرضاة للرب » رواه الإمام البخاري

وعن أبي أمامة- رضي الله عنه- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض عليَّ وعلى أمتي ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي” رواه الإمام ابن ماجة في سننه

11- المتقربون إلى الله تعالى بفعل الفرائض والمحافظة عليها:

من كرم الله تعالى على عباده الذين يعبدونه وحده دون سواه أنه يحب منهم الذين يتبعون أوامره ويؤدون فرائضه التي فرضها عليهم ويداومون عليها ويحبون أداءها بدون تكاسل فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله قال من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » رواه الإمام البخاري

12- المتقون:

هم الذين يخشون الله تعالى ويتقونه في السر والعلن ويجعلون بينهم وبين عذاب ربهم وقاية باتباع أوامره واجتناب نواهيه يقول جلّ وعلا { بلى من أوفى بعهده واتَّقى فإنَّ الله يُحبُّ المُتَّقين } آل عمران:76

13- الصابرون:

والصابرون هم أهل الجنة وقد أعدت الجنة للصابرين وذُكر الصبر في أكثر من موضع في القرآن العظيم والصبر سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد صبر على ما أصابه في تبليغ دين الله- عزّ وجلّ- وقد مدح الله تعالى الصابرين في سبيله واعد لهم جنته ورضوانه يقول الله تعالى: { وكأيِّن من نَّبيٍّ قاتل معه ربّيُّون كثيرٌ فما وَهَنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفُوا وما اسْتكانوا واللهُ يُحِبُّ الصَّابرين } آل عمران:146

14- المتوكلون على الله تعالى:

التوكل على الله دلالة على زيادة الإيمان ورفعته في النفس فكلما كان الإنسان المسلم أكثر قوة وتوكلاً على الله في جميع أموره دلّ ذلك على قوة إيمانه وقوة تعلقه بربه ولذلك كان أجره محبة الله يقول الله سبحانه وتعالى: { فبما رحمةٍ مِّن اللهِ لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكَّل على الله إنَّ الله يُحِبُّ الْمُتوكِّلين } [آل عمران:159].

*********

القضاء والقدر

القضاء تعلق علم الله وإرادته بإيجاد الأشياء على وجه مخصوص والقدر إيجادها فعلاً على هذا النحو.

تعلق القضاء بالعلم، وتعلقت الإرادة بالقدرة والفعل

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك علاقة بين توحيد الألوهية وبين القضاء والقدر، فقال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الديلمي بمسند الفردوس :

الإيمان بالقدر نظام التوحيد

النتائج النفسية التي يحققها الإيمان بالقضاء والقدر فيما رواه الحاكم في تاريخه : ” الإيمان بالقدر يُذهب الهم والحزن “.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الخوض في موضوع القضاء والقدر، والبحث في مكنون أسرارهما، لأن المخلوق الحادث لا يستطيع أن يدرك علم الخالق القديم، فقال صلى الله عليه وسلم :

إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وغذا ذُكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكر القدر فأمسكوا”

رواه الطبراني وابن عدي بسند حسن

والمؤمن يجب أن يعتقد أن جميع أفعال العباد، وكل حادث في الكون إنا هو بقضاء الله وقدره، ولكنَّ مشيئة الله شاءت أن يكون للإنسان مشيئة حرة، هي أساس التكليف، والابتلاء، ومناط الثواب والعقاب، وبسببها يكسب الإنسان الخير، أو الشر، فيُثاب على الخير، ويُعاقب على الشر قال تعالى :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

سورة البقرة الآية 286

والقضاء والقدر نوعان : نوع لا كسب فيه للإنسان ؛ لأنه لا إرادة له فيه ولا يؤاخذ عليه، كحركة الأفلاك والأنواء، ونزول المطر، ونمو النبات، واختلاف أحوال الناس من صحة ومرض، وقوة وضعف وغنى وفقر، وحياة وموت، وبما أن من لوازم الحكيم، أن تكون أفعاله حكيمة، والقضاء والقدر من أفعاله، فالقضاء والقدر الذي لا كسب للإنسان فيه متعلق بالحكمة، والحكمة متعلقة بالخير المحض، قال تعالى مشيراً إلى هذا النوع من القضاء والقدر :

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)

سورة آل عمران الآية 26

والنوع الثاني من القضاء والقدر متصل بأفعال العباد، فالإنسان مُنح إرادة حرة هي أساس التكليف، والابتلاء، وقد منحه الله أيضاً مقومات التكليف، والابتلاء، فسخر له ما في السماوات والأرض تسخير تعريف وتكريم، ليؤمن به ويشكره، ومنحه العقل قوةً إداركية يتعرف به إلى الله خلال الكون المسخر، قال تعالى :

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)

سورة الرحمن

وبعث الأنبياء والرسل، وأنزل معهم الكتاب بالحق، ليكون منهجاً للإنسان يهتدي به.. قال تعالى :

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

سورة طه الآية 123

وأودع الله في الإنسان الشهوات، ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)

سورة النازعات

لقد منح الإنسان إرادة حرة، لتكون أساس التكليف والابتلاء، وليكون النجاح بها ثمن العطاء، ومادام الإنسان قد مُنح هذه الإرادة الحرة ليكسب بها أعماله الاختيارية، وليكون مسؤولاً في حدود ما منحه الله إمكانات، فلن تُسلب منه هذه الإرادة الحرة ؛ لأنه يستحيل أن تتناقض إرادات الله، ومتى توجهت إرادة الإنسان إلى فعل شيء، في الدائرة التي هي مناط اختياره، تعلقت إرادة الله فأمدته بالقدرة على تحقيقها وسيَّرت الفعل الاختياري الكسبي للإنسان إلى الجهة التي تستحق الخير أو الشر، وهكذا تُوظَّف مشيئة الإنسان الحرة الخيِّرة، أو الشريرة للخير المطلق. قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)

سورة الأنعام الآية 129

وهنا محل الإشارة إلى مقولة : ” إن الله خالق لفعل الإنسان ” فهذا لا يعني أنه أجبره عليه، ولا يعني أيضاً أنه رضيه منه، ومقولة : ” إن الله علم ما كان وما سيكون ” لا يعني أن علم الله هو إلغاء لاختيار الإنسان، إنه علم كشف وليس جبراً، فالجبر يتناقض مع التكليف.

(ويضيف بعض العلماء على مقومات التكليف، القدرة الظاهرة على تنفيذ مشيئة الإنسان، وهي في حقيقتها قدرة الله التي تتحقق بها مشيئة الإنسان)

والابتلاء والمسؤولية والجزاء والثواب والعقاب.. لقول الله عز وجل :

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)

سورة الأنعام الآية 148-14

وهذه آية محكمة هي أصل في نفي الجبرية، وتُحمل الآيات المتشابهة كما هو رأي علماء الأصول على الآيات المحكمة.

ولعل في قول سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما

” الحسن بن علي رضي الله عنهما : هو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد في سنة 3هـ. كان يحبه صلى الله عليه وسلم، وكان أكثر دهره صامتاً، فلا يدخل في مراء، ولا يُدلي بحجة حتى يرى قاضياً، توفي بعد وفاة والده بستة أشهر. وصالح معاوية سنة 41هـ وسُمي ذلك العام عام الصلح، ورُفع مقامه فهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة. ” (سير الأعلام 3/245)(البداية والنهاية 8/42

تلخيصاً لعقيدة القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة : من لم يؤمن بقضاء الله فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر، وإن الله تعالى لا يُطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، لأنه تعالى مالكٌ لما ملَّكهم، وقادرٌ على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا وإن عملوا بالمعصية فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، ولو أجبر الخلق على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزاً في القدرة، فإن عملوا بالطاعة فله المنَّة عليهم، وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم “.

انظر (المرقاة 1/52) نقلاً عن تائية القضاء والقدر وشرحها

وللحسن البصري رضي الله عنه أجوبة شافية في القضاء والقدر، فعندما قيل له : إن الله أجبر عباده ؟ قال : الله أعدل من ذلك، فلمَّا قيل له : أفوض إليهم ؟ قال : هو أعزُّ من ذلك، ثم قال : لو أجبرهم لما عذبهم، ولو فوَّض إليهم لما كان للأمر معنى.

وهناك من يعتذر بالقضاء والقدر ليتنصل من المسؤولية، وهذا عذرٌ واهٍ وحجة باطلة.

فتجاهل الإرادة الحرة التي منحها الله للإنسان، وكذلك الفكر الذي يميز به الخير من الشر، والشرع الذي فيه تبيان لكل شيء، فإن هذا التجاهل لا يُعفي صاحبه من المسؤولية.

” أتي برجل سارق إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال له عمر : ما حملك على السرقة ؟ فقال : قضاء الله وقدره يا أمير المؤمنين فأمر عمر بقطع يده ثم حسمت، ثم جلده ثمانين جلدة، وقال له : إنما قطعت يدك لسرقتك، وإنما جلدتك لكذبك على الله واحتجاجك بالقضاء والقدر، فقضاء الله تعالى لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار”

(من كتاب شرح الطريقة المحمدية للشيخ عبد الغني النابلسي)

* * *

وعند أهل السنة والجماعة هناك فرق بين القضاء والمقضي، فالقضاء فعل الله تعالى وإرادته ومشيئته، وقضاء الله تعالى كلّه حق، وكله للعباد، وكله حسن، والمقضي هو كسب العبد وفعله ظاهراً، وفيه العدل والجور، والخير والشر، والحسن والقبح، ويجب على المسلم بناء على هذا ـ أن يقاوم المقضي إذا كان جوراً، أو شراً، أو قبحاً لا أن يستسلم له ؛ لأن الرضا بالكفر كفر، والرضا بالظلم ظلم، وهكذا قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)

سورة الشورى

فإن عجز المسلم عن إزالة المقضي، أو مقاومته، فعليه أن يضرع إلى الله أن ينجيه منه، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

سورة الأنعام الآية 42-43

وللدعاء أثر في رد القضاء، فقد قال صلى الله عليه وسلم :

” الدعاء يردُّ القضاء”.

رواه الحاكم في صحيحه عن ثوبان

وقال أيضاً :

 لا يردُّ القدر إلا الدعاء

رواه الترمذي والحاكم عن سلمان بسند صحيح

 فالدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن”

انظر الطب النبوي لابن قيم الجوزية

وقد أشار العلامة البيجوري في حاشيته على جوهرة التوحيد عند قول الناظم :

وعندنا أن الدعاء ينفع كما من القرآن وعداً يُسمع

لقد أشار إلى أن الدعاء ينفع في القضاء المبرم، فيكون اللطف، وفي القضاء المعلق فيكون الدفع.

لذلك لا يُجدي الذكاء، والحيطة، والحذر، في ردِّ القضاء، ولكن الدعاء المخلص، عقب التوبة الصادقة، ينفع في ردِّ القضاء، أو اللطف به.. قال صلى الله عليه وسلم :

 لا يُغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل”

رواه الحاكم في صحيحه عن عائشة

والإيمان بالقضاء والقدر لا يتناقض مع الأخذ بالأسباب، فلا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض، فكيف بمعادهم، فإن الله أمرنا أن ندفع السيئة وهي من قضائه وقدره، بالحسنة وهي من قضائه وقدره، فقد روى الإمام البخاري عن عمر بن الخطاب وعن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، أنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية، بلغهم أن بها موتاً عظيماً، ووباءً ذريعاً، فافترق الناس فرقتين، فقال بعضهم : لا ندخل على الوباء، فنلقي بأيدينا إلى التهلكة، وقالت طائفة أخرى : بل ندخل ونتوكل، ولا نهرب من قدر الله، ولا نفر من الموت، فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه فقال : نرجع ولا ندخل على الوباء، فقال له المخالفون لرأيه : أنفرُّ من قدر الله ؟ فقال عمر : نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله !، أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط وادياً له شعبتان، إحداهما مخصبة، والأخرى مجدبة، أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله تعالى، وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله ؟ “.

* * *

ومن ثمرات الإيمان الصحيح المتوازن بالقضاء والقدر ؛ الاستقامةُ على أمر الله، والعمل بما يرضيه لأنه ؛

 إليه يُرجعُ الأمرُ كُلُهُ”

سورة هود الآية 123

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)

سورة فاطر

ومن ثمرات الإيمان الصحيح : الشجاعة، والإقدام، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون جبناً، ولا إحجاماً، ففي آذانهم دويُّ التوجيه الإلهي، قوله تعالى :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)

سورة التوبة

ومن ثمرات الإيمان الصحيح : التحلي بالصبر الجميل، والرضا والتسليم، فعندما تنزل المصائب، يذكر المؤمن عند الصدمة الأولى قوله تعالى :

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)

سورة البقرة

وهكذا نجد أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن خطير من أركان الإيمان وهو من العقائد الأساسية التي يجب أن تُعلم بالضرورة.

*********

إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة 

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة ؟ قال : ” إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة “

قال كيف إضاعتها قال : ” إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”

أخرجه البخاري .

الأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، وهي ترمز إلى معانٍ شتَّى مناطها جميعًا شعور المرء بتبعيَّته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربِّه؛ لذلك قال: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”[1].

وإذا كان بعض العوامِّ يقصرون الأمانة في أضيق معانيها، وهو “حفظ الودائع”؛ وهي بذلك تعني الضمير اليقظ الذي تُصان به الحقوق، وتُؤَدَّى به الواجبات على أحسن وجه، وبضياع الأمانة يضيع الدين؛ فإنه “لاَ دِينَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ”[2].

وعند حديثنا عن أمانة الولاة الذين يُناط بهم تسيير أمور الناس على أحسن الوجوه، فإن الإسلام يُقَرِّر حقيقة مهمَّة، وهي أنه ينبغي ألاَّ يُسْنَد منصب إلاَّ لمن هو حقيق به، ولا تملأ وظيفة إلاَّ بمن ترفعُه كفاءتُه إليها، ولا يصحُّ أن يميل أحد عن هذا الأمر لهوًى، أو رشوة، أو قرابة؛ فتكون الخيانة الفادحة، وهذا أبو ذَرٍّ  عندما طلب من الرسول أن يستعمله رفض ذلك، وقال له: “إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ”[3].

والأُمَّة التي لا أمانة فيها هي الأُمَّة التي تعبث فيها الشفاعاتُ بالمصالح المقرَّرة، وتطيش بأقدار الرجال الأكْفَاء؛ لتهملهم وتُقَدِّم مَنْ دونهم.. وقد قال : “إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”[4].

وعلى المرء أن يحرص على أداء واجبه كاملاً في العمل الذي يُناط به، وأن يستنفذ جهده في تجويده؛ فإنَّ استهانة الفرد بما كُلِّفَ به -وإن كان بسيطًا- تستتبع شيوع التفريط في حياة الأُمَّة كلِّها؛ ومن ثَمَّ استشراء الفساد، فليس أعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من رجل تولَّى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها. وعلى الإنسان أيضًا ألاَّ يستغل منصبه في منفعة شخصيَّة؛ فإن التربُّح من المال العامِّ جريمة نكراء، وهو اكتساب للسُّحْتِ، واختلاس لمال الجماعة، الذي يُنْفَقُ على الفقراء والضعفاء، قال : “مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ”[5].

ونِعَمُ الله الكثيرة من المال والصحة والولد أماناتٌ يجب أن تُستخدَم في مرضاة الله، وأن يُقابِل صاحبُها بالرضا والقبول والصبر إن أراد أن يستردها في أي وقتٍ شاء؛ فهو امتحان للعبد، وإن بقيت تلك النعم فهو اختبار؛ هل يشكر الإنسان أم يكفر!!

وعلى المرء ألاَّ يُفْشِيَ سرًّا، أو يسردَ خبرًا استأمنه عليه صاحبُه، قال: “إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ”[6]؛ إلاَّ أن يؤَدِّيَ هذا الحفظ للسرِّ إلى ضرر أو فساد؛ فيجب الحذر إذن. وفي العَلاقات الزوجية كذلك حرَّم الإسلام إشاعة ما يَحْدُثُ بين الزوجين من عَلاقة خاصَّة، فلا يُطْلَع على ذلك أحدٌ أيًّا كان؛ لذلك قال: “إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا”[7].

وكذلك الودائع -التي تُدفع إلينا لنحفظها حينًا ثم نردُّها إلى ذويها حين يطلبونها- من الأمانات التي نُسْأل عنها، واعتبارها غنيمة باردة هو ضربٌ من السرقة الفاجرة.

إن الأمانة فضيلة ضخمة لا يستطيع حملها الرجال المهازيل[8]، بل إنها تُثقِل كاهل الوجود كله، ومن ثَمّ فلا ينبغي لإنسان أن يستهين بها، أو يُفْرِط في حقِّها، {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72].

[1] البخاري: كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (853) عن عبد الله بن عمر، ومسلم: كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر.. (1829). 

[2] البيهقي: شعب الإيمان (5047) عن عائشة، وعبد الرزاق: المصنف 11/157، والطبراني: المعجم الكبير 7/284.

[3] مسلم: كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (1825) عن أبي ذَرٍّ ، والحاكم (7119)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والطيالسي (481). 

[4] البخاري: كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه.. (59) عن أبي هريرة ، وأحمد (8714).

[5] أبو داود (2943) عن بريدة بن الحصيب ، وقال الشيخ الألباني: صحيح. والحاكم (1424)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصحيح ابن خزيمة (2178).

[6] أبو داود عن جابر بن عبد الله (4868)، والترمذي (1959)، وأحمد (14514)، وقال شعيب الأرناءوط: حسن.. وأبو يعلى (2158)، والبيهقي: السنن الكبرى 10/ 247.

[7] مسلم عن أبي سعيد الخدري: كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة (1437)، وأبو داود (4870)، وأحمد (11673)، والبيهقي: شعب الإيمان (5008).

[8] المهازيل: جمع مهزول، وهو الضعيف الواهي. ابن منظور: لسان العرب، مادة هزل 11/696.

*********

بيوت الإيمان

الأسرة في الإسلام لها شأن عظيم فهي اللبنة الأولى للمجتمع وهي السبب الرئيس في صلاحه ونشر القيم والأخلاق الطيبة بين ربوعه، ولا شك أن صلاح الأسرة طريق إلى المجتمع الصالح الذي تنبني في ظله القيم الفاضلة والحضارة والنهضة العلمية.. وبين يدينا كلمات جامعة لفضيلة الدكتور سليمان بن حمد العودة يبين فيها عناية الإسلام بالأسرة ويرشدنا إلى دعائم الأسرة في الإسلام من خلال الأمر بالعشرة بالمعروف والرحمة والمودة في الأسرة ودور الإيمان والعمل الصالح في صلاح الأسرة ومن ثم صلاح المجتمع.

الأسرة في الإسلام: 

يؤكِّد فضيلته في بداية تناوله أن الإسلامُ عني عنايةً عظمى ببناءِ الأسرةِ وصونِها من أي سهام توجه إليها؛ فالأسرة هي قاعدة المجتمع، ومدرسة الأجيال، وسبيل العفة وصونٌ للشهوة، والطريقُ المشروعُ لإيجاد البنين والأحفاد وانتشارُ الأنسابِ والأصهار؛ فبالزواج المشروع تنشأ الأسرة الكريمة وتنشأ معها المودة والرحمة، ويتوافر السكنُ واللباس، إنها آيةٌ من آيات الله يُذكرنا القرآن بها ويدعونا للتفكر في آثارها وما ينشأ عنها {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم: 21.

وقال فضيلته: إن الأسرة في الإسلام بناء وحفظ يعكس سمو تعاليم القرآن، وهي شاهدٌ ملموس على علو شأن الإسلام تعجز الأنظمة البشرية -مهما بلغت- أن تبلغ مبلغه، وقد أفلست الأديان القديمة والحضاراتُ المعاصرة أن تصل مستواه، فالواقع يشهد بتفكك الأسر وضياع المجتمعات في مشرق الأرض ومغربها حين يغيب عنها الإسلام أو تضل عن توجيهات القرآن!

“أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين” التوبة109

هدي الإسلام: 

أما تعاليم الإسلام في بناء الأسرة ومن ثم بناء المجتمع، فأولها الأمر بالعشرة بالمعروف {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}النساء: 19، ويقول عزَّ من قائل: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} البقرة: 229 

وخلاصة العشرة بالمعروف: تطييب الأقوال وتحسين الأفعال والهيئات -حسب القدرة- واستدامة البشر ومداعبة الأهل وتوسيع النفقة دون إسراف وقيام كل من الزوجين بما يحب أن يقوم له الآخر فيؤثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “إني أحبُ أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي“.

ولا يقف هدي الإسلام في العشرة بالمعروف عن حدود الأمر واعتبارها من المروءة والدين، بل يرتب عليها من الخيرية والجزاء ما يدعو للعناية بها والاهتمام، ويقول عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا . وخياركم خياركم لنسائهم» رواه الترمذي وقال الألباني حسن صحيح،

وفي محمدٍ صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة وهو القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» صححه الألباني 

الحفاظ على البناء الأسري: 

ويشدد الدكتور العودة على أن بناء الأسرة في الإسلام متين القواعد عميق الجذور، لا ينبغي أن يُهدم كيانه،حتى ولو شعرت النفس بالكره أحياناً فلربما كان فيما تكره النفوس خيراً، كثيراً، وتأمل هدي القرآن والله يقول: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} النساء: 19 

يقول القرطبي -رحمه الله- : “{فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} أي لدمامةٍ أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يُندب فيه إلى الاحتمال فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولاداً صالحين“. 

وقال مكحول: “سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، فيسخط على ربه عزَّ وجلَّ فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له“.

و المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو ينهى عن استدامةِ البغض الكلي للمرأة ويقول: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر» رواه مسلم

والمعنى: لا يبغضها بغضاً كلياً يحمله على فراقها، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يُحب.

بين منطق الشرع ومنطق العقل:

إذا كان هذا منطق الشرع، فمنطق العقل يقول: إن الواقع يشهد بالعواقب الحميدة لأسرٍ تجاوزت الخلافات في بداية حياتها، وتغلبت على المكاره والمصاعب أول نشأتها، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.

وإن في المسلم الحق من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال وسعة الصدر، وسمو الخلق ما يجعله يرتفع في تعامله مع زوجته التي يكرهها بعيداً عن نزوات البهيمة وطمع التاجر، وتفاهة الفارغ.

وإذا كانت المودة أحد دعائم الزوجية وسبباً كبيراً لبقائها، فإن الرحمة هي الأخرى دعامةٌ مهمة لبقاء الزوجين وارتباطهما، حتى وإن عدم الحب أو قلت المودة، هكذا يوجه القرآن ويدعو للتفكر {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} الروم: 21

قال المفسرون: إن الرجل يُمسكُ المرأة لمحبته لها أو لرحمةٍ بها بأن يكون لها منه ولدٌ، أو محتاجةٌ إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم: 21

الإيمان بالله قمة المعروف:

ويبين الدكتور العودة أن العشرة بالمعروف إذا كانت بين الزوجين من دعائم بناء الأسرة، فإن الإيمان بالله قمة المعروف وعمل الصالحات سبيل للوفاق بين الزوجين، فالإيمان وعمل الصالحات يشيعان في البيوت السكينة، وبهما تتحقق السعادة ويتطلع الزوجان بهما إلى منازل الآخرة، وتتوجه الهمم عندهما إلى رضوان الله والجنة، وهاكم نموذجاً لهذين الزوجين يترحم عليهما صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء» قال الألباني حسن صحيح

وينبغي أن تستمر جذوة الإيمان، ولباسُ التقوى بين الزوجين حتى وإن وقع الطلاق وحصل الفراق، فلعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، وتأملوا قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّـهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} الطلاق: 2 – 3 

الوقاية من النار: 

ويشير فضيلته إلى دعامة أخرى من دعائم بناء الأسرة المسلمة وهي وقايتها من النار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}

التحريم: 6 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قوا أنفسكم، وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يقيم الله بكم”، ويروى عن عمر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال: “يا رسول الله: نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟!، فقال: تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله”. وقال بعض المفسرين تعليقاً على هذه الآية: “علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يُستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} طه: 132، ونحو قوله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214

فأنت أيها الراعي مسؤوليتك في الرعاية عظيمة يعنيك منها قوله صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم» رواه البخاري

نموذجان فيهما العبرة والقدوة:

ويسوق لنا الدكتور العودة في ختام تناوله نموذجين للأسرة المسلمة فيهما عبرة وقدوة 

الأسرة الأولى:

سيدة من سادات نساء العالمين وبنت سيد المرسلين وزوجها رابع الخلفاء الراشدين، أخرج ابنُ سعدٍ بسنده عن علي رضي الله عنه أنه قال يوماً لزوجته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم: لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسبي فأذهبي فاستخدمي، فقالت فاطمة: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ما جاء بك يا بنية؟”، فقالت: “جئت لأسلم عليك”، واستحيت أن تسأله، ورجعت، فأتياه جميعاً، فذكر له عليٌّ حالهما، قال: “لا والله لا أعطيكما وأدعُ أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم”، فرجعا فأتاهما، وقد دخلا على قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثا%D

جامعة المدينة العالمية