إني أعلمك كلمات

إذا قرأت “فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ”

قال سعيد ابن جبير: إذا قرأت {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (غافر:14)

 فقل: “لا إله إلا الله، وقل على أثرها: “الحمد لله رب العالمين”

ثم قرأ هذه الآية : {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر:65)

“تفسير الطبري” (24/81).

*********

الأسباب التى تعين على الصبر

قال الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب عدة الصابرين ص ( 59 ــ 63 )

لما كان الصبر مأمورا به جعل الله سبحانه له أسبابا تعين عليه وتوصل اليه وكذلك ماأمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابا تمده وتعين عليه كما أنه ما قدر داءا الا وقدر له دواء او ضمن الشفاء باستعماله فالصبر وان كان شاقا كريها على النفوس فتحصيله ممكن وهو يتركب من مفردين العلم والعمل فمنهما تركب جميع الادوية التى تداوى بها القلوب والأبدان فلا بد من جزء علمي وجزء عملى فمنها يركب هذا الدواء الذى هو أنفع الادوية فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال وإدراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغى أضاف اليهما العزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء فمتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقه وحلت له مرارته وانقلب ألمه لذة وقد تقدم أن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس وكل متضارعين أراد أن يتغلب أحدهما على الآخر فالطريق فيه تقوية من أراد أن تكون الغلبة له ويضعف الآخر كالحال مع

القوة والمرض سواء فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته فإذا عزم على التداوى ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور:

أحدهما أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيحدها من الاغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجارى الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما إذا كان أكله وقت الفطر معتدلا

عظيم يسقى كل أرض يمر عليها فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدية سكر وسد كثيف فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه.

التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لافناء له ولعز لا ذل معه وأمن لا خوف فيه وغناء لا فقر معه ولذة لا ألم معها وكمال لا نقص فيه وأمتحنه في هذه الدار بالبقاء الذى يسرع اليه الفناء والعز الذى يقارنه الذل ويعقبه الذل والأمن الذى معه الخوف وبعده الخوف وكذلك الغناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذى هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده وهو سريع الزوال فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله وأكثرهم لم يظفر بماطليه ! من ذلك والذى ظفر به انما هو متاع قليل والزوال قريب فإنه سريع الزوال عنه والرسل صلوات الله وسلامه عليهم انما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد فيحرص كل الحرص على أن لا يصل اليه فإن العبد اذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعى الدين فهو الملك حقا لأن صاحب هذا الملك حر والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه فهو مسخر مملوك في زى مالك يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذى صورته ملك وباطنه رق وعلى الشهوة التى أولها لذة وآخرها حسرة والبصير الموفق يعير نظره من الاوائل إلى الأواخر ومن المبادئ إلى العواقب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

العشرون: أن لا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود بل لا بد أن يضيف اليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء

الثانى: أن يجتذب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن داعى الإرادة والشهوة انما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي المسند عنه: “النظر سهم مسموم من سهام إبليس” وهذا السهم يشرده إبليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة الا غض الطرف أو التحيز والانحراف عن جهة الرمى فإنه انما يرمى هذا السهم عن قوس الصور فاذا لم تقف على طريقها أخطأ السهم وان نصبت قلبك غرضا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة.

الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيهما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد اليه النبي فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضارى لإضعاف قوتهما والدواء الثانى يشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه إعطائهما من الغذاء ما يميل اليه طبعهمابحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ولا تغلب باعطائها الزيادة على ذلك

الرابع: التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فانه لو لم يكن جنة ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعى ولو تكلفنا عدها لفاقت الحصر ولكن عين الهوى عمياء.

الخامس الفكرة في مقابح الصورة التى تدعوه نفسه اليها إن كانت معروفة بالإجابة له ولغيره فيعز نفسه أن يشرب من حوض ترده الكلاب والذئاب كما قيل:

سأترك وصلكم شرفا وعزا

لخسة سائر الشركاء فيه

وقال آخر

إذ كثر الذباب على طعام

رفعت يدى ونفسى تشتهيه

وتجتنب الأسود ورود ماء

إذا كان الكلاب يلغن فيه

وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقه الداء الدوى فان ريق الفاسق داء كما قيل:

تسل يا قلب عن سمح بمهجته

مبذل كل من يلقاه يقرفه

كالماء أى صيد يأتيه ينهله

والغصن أى نسيم من يعطفه

وان حلا ريق فاذكر مرارته

في فم أبخر يحفيه ويرشفه

ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضى بالمشاركة فلينظر إلى ما وراء هذا اللون والجمال الظاهر من القبائح الباطنة فإن من مكن نفسه من فعل القبائح فنفسه أقبح من نفوس البهائم فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلا الا ما يحكى عن الخنزير وأنه ليس في البهائم لوطى سواه فقد رضى هذا الممكن من نفسه انه يكون بمنزلة الخنزير وهذا

القبح يغطى كل جمال وملاحة في الوجه والبدن غير أن حبك الشيء عمى ويصم وان كانت الصورة أنثى فقد خانت الله ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها وأورثت ذلك لمن بعدها من ذريتها فلها نصيب من وزرهم وعارهم ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح البتة وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذى يعلو وجه أحدهما في كبره وكيف يقلب الله سبحانه تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجهه كما قيل شعرا:

لو فكر العاشق في منتهى

حسن الذى يسبيه لم يسبه

وتفصيل هذه الوجوه يطول جدا فيكفي ذكر أصولها.

فصل: أما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور:

أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى وهو يرى ويسمع ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة.

الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له فإن المحب لمن يحب مطيع وأفضل الترك ترك المحبين كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد.

الثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه وإنما يفعل هذا لئام الناس فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلا اليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مقابلة.

الرابع: مشهد الغضب والانتقام فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء فضلا عن هذا العبد الضعيف.

الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعا وعقلا وعرفا ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافا مضاعفة فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها تذهب الشهوة وتبقى الشقوة وقد صح عن النبي أنه قال: “لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن” قال بعض الصحابة ينزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظلة فإن تاب رجع اليه وقال بعض التابعين ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص فإن تاب لبسه ولهذا روى عن النبي في الحديث الذى رواه البخارى: “الزناة في التنور عراة” لأنهم تعروا من لباس الإيمان وعاد تنور الشهوة الذى كان في قلوبهم تنورا ظاهرا يحمى عليه في النار.

السادس: مشهد القهر والظفر فان قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا وأتم فرحة وأما عاقبته فأحمد عاقبة وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذى أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله.

السابع: مشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازنه بين العوض المعوض فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.

الثامن: مشهد المعية وهو نوعان معية عامة ومعية خاصة فالعامة اطلاع الرب عليه وكونه بعينه لا تخفي عليه حاله وقد تقدم هذا والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقوله {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وقوله {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن فضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر انما هى كأحلام نائم أو كظل زائل.

التاسع: مشهد المغافصة والمعاجلة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهى من لذات الآخرة فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها الا من جربها وفي بعض الكتب القديمة يامن لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر.

العاشر: مشهد البلاء والعافية فان البلاء في الحقيقة ليس الا الذنوب وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية وان عوفيت أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وان مرضت أبدانهم وقال بعض أهل العلم في الأثر المروى إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصى الله والأعراض والغفلة عنه وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول انواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم.

الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعى الهوى ومقاومته على التدريج قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة شئ قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التى تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد.

الثانى عشر: كف الباطل عن حديث النفس واذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها فإنها تصير أمانى وهى رءوس أموال المفاليس، ومتى ساكن الخواطر صارت أمانى ثم تقوى فتصير هموما ثم تقوى فتصير ارادات ثم تقوى فتصير عزما يقترن به المراد فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته.

الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التى تدعوه إلى موافقة الهوى وليس المراد أن لا يكون له هوى بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه فإن كل شيء من الانسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس والهوى والعمل ان لم يكن لله كان للرياء والنفاق والمال ان لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى والجاه ان لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه والقوة ان لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الاخلاص والعمل لله وهذا في جميع أبواب الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس.

الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التى ندب عباده إلى التفكر فيها وهى آياته المتلوة وآياته المجلوة فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاظرة الشيطان ومحادثته ووسواسه وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاظرا للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاظرة الشيطان من الانس والجن فلا غبن بعد هذا الغبن والله المستعان.

الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها فلا يرضى لنفسه ان يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له فكيف اذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد

يعذب به ويناله بسببه غاية الألم بل اذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنا.

السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه وأزمة الأمور بيديه وانتهاء كل شيء اليه على الدوام فلعله أن يصادف أوقات النفحات كما في الأثر المعروف: “ان لله في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم” ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التى لا يسأل الله فيها شيئا الا أعطاه فمن أعطى منشور الدعاء أعطى الاجابة فإنه لو لم يرد اجابته لما ألهمه الدعاء كما قيل:

لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه

من جود كفك ما عودتنى الطلبا

ولا يستوحش من ظاهر الحال فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله كما ليس كمثله شيء في صفاته فإنه ما حرمه الا ليعطيه ولا أمرضه الا ليشفيه ولا أفقره الا ليغنيه ولا أماته الا ليحييه وما أخرج أبويه من الجنة الا ليعيدهما اليها على أكمل حال كما قيل:”يا آدم لا تجزع من قولى لك واخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك اليها“.

فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه ويعطيه بحرمانه ويصحبه بسقمه فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلا الا اذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه.

السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين ومحنته بين الجاذبين جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهى إلى حيث يليق به من المحل الأعلى وكلما انقاد إلى الجاذب الاسفل نزل درجة حتى ينتهى إلى موضعه من سجين ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق

الأعلى أو الأسفل فلينظر أين روحه في هذا العالم فإنها اذا فارقت البدن تكون في الرفيق الأعلى الذى كانت تجذبه اليه في الدنيا فهو أولى بها فالمرء مع من أحب طبعا وعقلا وجزءا وكل مهتم بشئ فهو منجذب اليه وإلى أهله بالطبع وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه وقد قال تعالى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه} فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهمها وأعمالها إلى أعلى والنفوس السافلة إلى أسفل.

الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا قابلا ينزل فيه وان فرغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقه من الدغل لم يكن الزرع زرعا كاملا بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له وهذا كالذى يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع ويودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من ارادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه كان جديرا بحصول المغل وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة ولا سيما اذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة كما نصب سائر الأسباب مقتضية إلى مسبباتها بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب الحسن وبظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب فإن فضل الله لا يرده الا المانع الذى في العبد فلو زال ذلك المانع لسارع اليه الفضل من كل صوب فتأمل حال نهر

الكمال والفلاح فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدا ويستعين على الخروج عن العوايد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه وقد قال النبي: “من سمع بالدجال فلينا عنه” فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه.

وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق وهى أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة والله أعلم

المصدر: http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=252

 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

*********

إيقاع العداوة والبغضاء هو منتهى قصد الشيطان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:”وإيقاع العداوة والبغضاء هو منتهى قصد الشيطان ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ” ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا بلى، يا رسول الله . قال : ” إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البـين هـي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين” [1]

ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة وأخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين ، يتنازعان في أشياء ، لا يقصدان إلا الخير.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: لا يصلين أحد العصر، إلا في بني قريظة. فأدركتهم العصرفي الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة و فاتتهم العصر. وقال قوم : لم يرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب واحدا من الطائفتين” أخرجاه [2]

وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة، فهو ملحق بالأحكام.

صح عنه أنه قال : ” لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث… ” . [3] 

فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله ، وبين الهجر لحق نفسه.

فـ (الأول) مأمور به.

و(الثاني) منهي عنه؛ لأن المؤمنين إخوة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : “لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم ” [4] فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.

ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين ،لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض ، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن يجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله ، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه” . [6]

——————————————————————————–

 [1] رواه أحمد ج1/167 وج6/444 والترمذي في سننه ج4/572 ح(2509) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع باب 56 . وصحيح ابن حبان ج11/489 والبخاري في أدب المفرد رقم(391). صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ج2/607.رقم( 2509). 

 [2] رواه مسلم في صحيحه ص461 كتاب الجهاد والسير باب المبادرة بالغزو ،وتقديم أهم الأمرين المتعارضين.

 [3] رواه مسلم ص654ح(2558) كتاب البر باب تحريم التحاسد

 [4] رواه مسلم في صحيحه 654 ح(2563) كتاب البر باب تحريم الظن.

 [5] الحجرات آية:9- 10.

 [6] مجموع الفتاوى ج28/204، 206، 207 208 209، 212، 213 وينظر أيضا:ج3/ 418، 419، 420، 421..

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********* 

الأخوة الإيمانية التزامها بمنزلة التزام الصلاة

(( .. الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله ( إنما المؤمنون إخوة ) [1]،

 وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه” [2]،

 وقوله : ” لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يستام على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه” [3] وقوله : ” والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه” [4]،

 ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن.

” فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة..” [ 5]

 

——————————————————————————–

 [1] الحجرات آية : (10)

 [2] تقدم نخريجه.

 [3] صحيح مسلم ص347 ح(1412)و(1413) و(1414) كتاب النكاح باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك. ومسند أحمد ج2/277 وصحيح ابن حبان ج11/339 والطبراني في الأوسط ج1/162.

 [4] صحيح البخاري مع الفتح ج1/73 ح(13) كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وصحيح مسلم ص25ح(45) كتاب الإيمان باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.

 [5] مجموع الفتاوى ج11/100، 101.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

السعادة الحقيقية

قال ابن القيم: “السعادة الحقيقية هي سعادة العلم النًّافِعِ ثَمَرَتُهُ، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره وفي دوره الثلاثة – أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، وبها يرتقي معارج الفضل ودرجات الكمال.

 

يقول الإمام ابن القيم: إن أنواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة:

الأولى: سعادة خارجية عن ذات الإنسان، بل هي مستعارة له من غيره يزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والحياة والسعادة والفرح بهذه كفرح الأقرع بحمة ابن عمه، والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته، فإذا جاوز بصرك كسوته فليس وراء عبادان قرية.

الثانية: سعادة في جسمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه، وتناسب أعضائه، وحسن تركيبه، وصفاء لونه وقوة أعضائه فهذه ألصق به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته فإن الإنسان إنسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه كما قيل: يا خادم الجسم كم يشقى بخدمته ***  فأنت بالروح لا بالجسم إنسان.

 

الثالثة: هي السعادة الحقيقية وهي سعادة نفسانية روحية قلبية، وهي سعادة العلم النافع ثمرته، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره، وفي دوره الثلاثة اعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وبها يترقى معارج الفضل ودرجات الكمال، أما الأولى فإنها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه، والثانية تعرضه للزوال والتبدل بنكس الخلق والرد إلى الضعف، فلا سعادة في الحقيقة إلا في هذه الثالثة التي كلما طال الأمد ازدادت قوة وعلوا وإذا عدم المال والجاه فهي مال العبد وجاهه وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن إذا انقطعت السعادتان الأوليتان، وهذه السعادة لا يعرف قدرها ويبعث على طلبها إلا العلم، بها فعادت السعادة كلها إلى العلم وما تقضيه، والله يوفق من يشاء لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وإنها لا تنال إلا على جد من التعب فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض بخلاف الأوليين، فإنهما حظ قد يحوزه غير طالبه وبخت قد يحوزه غير جالبه من ميراث أو هبة أو غير ذلك، وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية وقد أحسن القائل في ذلك:

فقل لمرجي معالي الأمور *** بغير اجتهاد رجوت المحالا

ومن طمحت همته إلى الأمور العالية، فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية وهي السعادة، وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وإنها متى أكرهت النفس عليها وسيقت طائعة وكارهة إليها وصبرت على لأوائها وشدتها، أفضت منها إلى رياض موقنة ومقاعد صدق ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك.  فالمكارم منوطة بالمكارة، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد قال مسلم في صحيحه، قال يحيى بن أبي كثير: “لا ينال العلم براحة الجسم وقد قيل: “من طلب الراحة ترك الراحة” ، ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عنها بحجاب من الجهل ليختص الله لها من يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم.

مفتاح دار السعادة

 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتقع به أو ولد صالح يدعو له

قال ابن القيم رحمه الله:

“وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعِظَم ثمرته ، فإن ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ، يتعلم المتعلم من كتابه فيصله الأجر ، يتعلم المتعلم من سماعه يصله الأجر بعد موته وهذا كان في القديم لا يمكن لكن الآن موجود يموت الميت من العلماء فيبقى صوته مسجلاً ولو بعد سنين ، فيتعلم الناس من علمه فيسمعون فتاويه ونحو ذلك فيصله الأجر ، فإن ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ما دام يُنتفع به فكأنه حيٌّ لم ينقطع عمله مع ما له من حياة الذكر والثناء فجريان أجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب أعمالهم حياة ثانية ، الناس إذا انقطعت أو ذهبت أرواحهم وخرجت من أجسادهم انقطعت أعمالهم في الجملة ، ولكن العالم بعلمه يصله ماذا ؟ يصله الثواب كأنه حيٌّ فهي حياة ثانية ، وخصّ النبيهذه الأشياء الثلاثة بوصول الثواب منها إلى الميت ، لأنه سببٌ لحصولها ، والعبد إذا باشر السبب الذي يتعلق به الأمر والنهي يترتب عليه مسببه ، يعني من سن في الإسلام سنة حسنة ، فرآه الناس فعملوا بمثل عمله يؤجر أو لا ؟ يؤجر ، من دعا إلى هدى [ ها ] يؤجر أو لا ؟ وإذا أسلم على يديه فدعا غيره يُكتب الأول أو لا ؟ يكتب الأول ، هذا المراد ، فإذا باشر السبب الشرعي فترتب عليه مسببه حينئذٍ النتائج والثمار المترتبة على المسبب هي للنصيب الأول كذلك .

قال : وإن كان خارجًا عن سعيه وكسبه ، فلما كان هو السبب في حصول هذا الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع جرى عليه ثوابه وأجره لتسببه فيه ، فلما كان متسبِّبًا ترتب عليه ماذا ؟ الثمرة فكُتب له الأجر وإن لم يباشر هو ، فالعبد إنما يُثاب على ما يُباشره أو على ما تولد منه ، ولذلك من ابْتُلِيَ بولدٍ فأُعطي ولدًا فلا يحرمن نفسه من الثواب ، ولذلك أعجب من بعضٍ لا يُعلم ولده حتى قراءة الفاتحة ويجعل غيره يعلمه وأنت أولى بالثواب ، لأنك إذا علمته الفاتحة والصلاة حينئذٍ أنت تؤجر على وجوده أصلاً ولكن زيادةً وتأكيدًا في الأجر أنه تعلم قراءة الفاتحة على يديك ، فما بقي وصلى صلاةً إلا والأمر راجع إليه .

قال : ( ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم .)”

مفتاح دار السعادة 1 / 175 .

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

الأحوال نتائج الأعمال

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والأحوال نتائج الأعمال، فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل، وكثيرًا ما تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا وفي نفسه، فيسمع خطابًا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنه من الله تعالى، حتى أن أحدهم يظن أنه يرى الله بعينه،وأنه يسمع كلامه بأُذُنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران، ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم، وهو يظنه من كرامات الأولياء، وهذا باب واسع بسطه موضع آخر.

ولهذا قال النبي في الحديث الصحيح : ” الرؤيا ثلاثة : رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدِّث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام”.

وكثيرًا ما يرى الإنسان صورة اعتقاده، فيكون ما يحصل له بمكاشفته ومشاهدته هو ما اعتقده من الضلال، حتى أن النصراني يرى في كشفه التثليث الذي اعتقده، وليس أحد من الخلق معصومًا أن يُقرَّ على خطأ إلا الأنبياء، فمن أين يحصل لغير الأنبياء نور إلهي تُدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدرِكًا لصفات الرب وملائكته، وما أعده الله في الجنة والنار لأوليائه وأعدائه ؟!(3)

 (3) درء تعارض العقل والنقل ج5/351-353

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

الشريعة جامعة لكل ولاية وعمل

قال شيخ الإسلام ابن تيمية( الشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات و العطيات، وليس للإنسان أن يخرج عن الشريعة في شيء من أموره وهي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر .

والدين كله مأخوذ عن الرسول ليس لأحد بعده أن يغير من دينه شيئا هذا دين المسلمين))([1]) .

——————————————————————————–

([1]) مجموع الفتاوى ج27/364 وج 19/308، 309.

 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

من ثمرات التوحيد

 

إن أصدق الحديث كتاب الله والله تبارك وتعالى يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “لما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. إنما هو الشرك”، وفي رواية للبخاري من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال الصحابة: وأينا لم يظلم نفسه فنزلت: إن الشرك لظلم عظيم.

الإخلاص العبادة لله، وإفراده تبارك وتعالى بالتوحيد مزايا لا تحصى وثمرات لا تستقصي منها ما يصلح باطن العبد ومنها ما يصلح ظاهره ومنها ما يصلح له الدنيا ومنها ما له الآخرة، ولقد أشار الله تبارك وتعالى إلى أن شجرة التوحيد أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فمهما خطر على بال العبد من عظيم مزاياها وجميل ثمارها فهي في الحقيقة فوق ذلك، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، فمن ثمرات التوحيد الأمن والاهتداء وقد بشر الله المؤمنين بذلك إذ يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} والأمن المشار إليه من الآية الكريمة يشمل في الحقيقة أمن الدنيا وأمن الآخرة إذ أن من أخلص دينه لله يفيض الله تبارك وتعالى عليه نعمة الرضى بقضائه ويطمئن قلبه عند نزول الحوادث ويثبت فؤاده عند حلول الكوارث فلا تزلزله زلازل المرجفين على حد قوله تبارك وتعالى في وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

ومن أنواع الأمن الذي يمتع الله به أهل التوحيد أن يطمئن قلوبهم عند الموت على أولادهم وأحبابهم فلا يجزعهم فراق الأحبة بل تتنزل عليهم الملائكة عند الموت يبشرونهم بلقاء الله ونعيم الجنان ويطمئنونهم على ما خلفوا وراءهم وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}.

ومن أنواع الأمن الذي يمنحه الله تبارك وتعالى أهل التوحيد أن يطمئن قلوبهم عند الفزع الأكبر يوم القيامة وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى متهدداً المشركين:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ، لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ، إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.

أما الأمن في الدنيا من عقوبة الله في الآخرة فليس من سيما أهل الإيمان بل هو من أبرز علامات أهل الكفر الذين أمنوا مكر الله بأعدائه وعقوبته لمن خالف أمره إذ أن الكفار لا يخشون عذاب الله ولا يخافون من عقوبته ولذلك يستعجلون الساعة استهزاء بها وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى واصفا حالهم : {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} وقال: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}، ثم قال: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}.

أما أهل الإيمان فإنهم يخافون مقامهم بين يدي الجبار ولذلك يمتنعون عن معاصيه ويبتعدون عن أسباب غضبه، وقد اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن من أمن عقوبة الله وهو في دار الدنيا أخافه الله في الآخرة ومن خاف عقوبة الله في دار الدنيا آمنه الله في الآخرة وأورثه الجنة دار النعيم المقيم فلا يجتمع على العبد خوفان ولا يجتمع له أمنان وإلى ذلك يشير الله تبارك وتعالى إذ يقول: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. كما قال تبارك وتعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وكما قال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. وكما قال: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، ولذلك أثر عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: لا آمن مكر ربي ولو كانت إحدى رجلي في الجنة.

ومن ثمرات التوحيد الهداية والتوفيق وسلوك صراط الله المستقيم فكما بشر الله تبارك وتعالى أهل التوحيد بالأمن بشرهم كذلك بأنهم مهتدون وهذا الاهتداء يشمل تسديد الله لهم وحمايتهم من كيد الشيطان فلا يتسلط عليهم ولا يتمكن من إغوائهم بل يريهم الله تبارك وتعالى الحق حقا ويرزقهم اتباعه، ويريهم الباطل باطلا ويرزقهم اجتنابه، وهذه نعمة عظيمة ومنة جسيمة فالسعيد من هداه الله للخير ووفقه إليه وحمله عليه والشقي من خذله الله فلم يعينه ولم يسدده فتراه يتخبط في سلوكه يرى الباطل حقا ويرى الحق باطلا.

يقضي على المرء في أيام محنته

حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

ومن حرم التوفيق ضل عن سواء الطريق:

إذا كان عون الله للعبد مسعفا

تأتي له من كل شيء مراده

وإن لم يكن عون من الله للفتى

فأول ما يقضي عليه اجتهاده

ومن ثمرات التوحيد مغفرة الخطايا وتكفير السيئات فقد وعد الله تبارك وتعالى أهل التوحيد الخالص بحط خطاياهم ومغفرة ذنوبهم والتجاوز عن سيئاتهم وأنهم لو جاؤوه يوم القيامة بملء الأرض من الخطايا وقد لقوه من غير شرك وماتوا على التوحيد فإنه تبارك وتعالى يقابلهم بالمغفرة الواسعة والرحمة الشاملة فقد روى الترمذي بسند حسن من طريق أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ورضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”قال الله تعالى: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم: لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة”، وفي رواية مسلم من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه في الحديث القدسي: “ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة”.

الرابط: http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=652

الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

كلية الشريعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه.

فإن قيل: كيف يعيش معه؟

قلتُ: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومراعاة حدوده، والرضى بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من الإعتراض في أقداره، فإن احتجت سألته، فإن أهطى وإلا رضيت بالمنع، وعلمت أنه لم يمنع بخلا، وإنما نظرا إليك، ولا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به، ومتى دمت على ذلك رزقك محبته وصدق التوكل عليه، فصارت المحبة تدلك على المقصود، وأثمرت لك محبته إياك، فحينئذ تعيش عيش الصديقين.

ولا خير في عيش إن لم يكن كذا، فإن أكثر الناس مخبط في عيشه، يداري الأسباب، ويميل إليه بقلبه، ويتعب في تحصيل الرزق بحرص زائد على الحد، وبرغبة إلى الخلق، ويعترض عند انكسار الأغراض، والقدر يجري ولا يبالي بسخط، ولا يحصل له إلا ما قُدر، وقد فاته القرب من الحق والمحبة له والتأدب معه. فذلك العيش عيش البهائم

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

( الإنسان له بالله عن كل شيء عوض،وليس له بكل شيء عن الله عوض)

المعاصي تنسي الله

ومن عقوباتها : أنها تستدعي نسيان الله لعبده ، وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه ، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة ، قال الله: 

ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون 

سورة الحشر : 18 – 19

فأمر بتقواه ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه ، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه ، أي أنساه مصالحها ، وما ينجيها من عذابه ، وما يوجب له الحياة الأبدية ، وكمال لذتها وسرورها ونعيمها ، فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه ، والقيام بأمره ، فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه مضيعا لها ، قد أغفل الله قلبه عن ذكره ، واتبع هواه وكان أمره فرطا ، قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته ، وقد فرط في سعادته الأبدية ، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة ، إنما هي سحابة صيف ، أو خيال طيف كما قيل : 

أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع

وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه ، وإهماله لها ، وإضاعته حظها ونصيبها من الله ، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن ، فضيع من لا غنى له عنه ، ولا عوض له منه ، واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض : 

من كل شيء إذا ضيعته عوض     وما من الله إن ضيعت من عوض

[ ص: 71 ] فالله سبحانه يعوض عن كل شيء ما سواه ولا يعوض منه شيء ، ويغني عن كل شيء ولا يغني عنه شيء ، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء ، ويمنع من كل شيء ولا يمنع منه شيء ، كيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين ؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه ، فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم ؟ فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه،وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه.

ابن قيّم الجوزية

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

 حصّنها بالعدل ونقّي طرقها من الظلم

كتب أحد الولاة للخليفة عمر بن عبد العزيز يطلب مالاً ليبني به سوراً حول الولاية.

فأجابه عمر: “ماذا تنفع الأسوار، حصّنها بالعدل ونقّي طرقها من الظلم.”

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

أولاد عمر بن عبد العزيز

دخل مقاتل بن سليمان على المنصور يوم بويع بالخلافة، فقال له المنصور: عظني يا مقاتل. فقال: أعظك بما رأيت أم بما سمعت ! قال: بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين… عمر بن عبد العزيز أنجب أحد عشر ولداً وترك ثمانية عشر ديناراً، كفن بخمسة دنانير، واشترى له قبر بأربعة دنانير ووزع الباقي على أولاده ( نصيب كل واحد 9/11 ديناراً)، وهشام بن عبد الملك أنجب أحد عشر ولداً، وكان نصيب كل ولد من التركة مليون دينار، والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت في يوم واحد ولداً من أولاد عمر يتصدق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله، وأحد أولاد هشام يتسول في الأسواق!!.

نقلا عن كتاب هبي يا ريح الإيمان- نعم بلا شكر

 د. خالد أبو شادي

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة  

**********

مجالس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه

قال ابن رجب في كتابه لطائف المعارف:

كانت مجالس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة وتعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر ويعظ ويقص وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يبشر وينذر وسماه الله {مُبَشِّراً وَنَذِيراً ، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ} [الأحزاب: 45, 46] والتبشير والإنذار: هو الترغيب والترهيب فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه ـ كما ذكره أبو هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث ـ رقة القلب والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

فأما رقة القلوب فتنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب بالغفلة عنه قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28 وقال الله عز وجل: {إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2] وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 34, 35] وقال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16] وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].

وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وقال ابن مسعود: نعم المجالس المجلس الذي تنشر فيه الحكمة وترجى فيه الرحمة هي مجالس الذكر وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: أدنه من الذكر وقال: مجلس الذكر محياة العلم ويحدث في القلب الخشوع القلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر:

بذكر الله ترتاح القلوب

ودنيانا بذكراه تطيب“.

وأما الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة فبما يحصل في مجالس الذكر من ذكر عيوب الدنيا وذمها والتزهيد فيها وذكر فضل الجنة ومدحها والترغيب فيها وذكر النار وأهوالها والترهيب منها.

وفي مجالس الذكر تنزل الرحمة وتغشى السكينة وتحف الملائكة ويذكر الله أهلها فيمن عنده وهم قوم لا يشقى بهم جليسهم فربما رحم معهم من جلس إليهم وإن كان مذنبا وربما بكى فيهم باك من خشية الله فوهب أهل المجلس كلهم له وهي رياض الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا” قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: “مجالس الذكر“.

المصدر: http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=2801

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

وجعـل الليل سكـناً

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن من رحمة الله بعباده أنه لم يجعلهم يعيشون في لليل دائم، ولا نهار دائم بل جعل الليل والنهار خلفة، كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه ويعقبه، وهذا فضل منه ورحمة؛ قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} القصص: 73، قال الإمام الطبري: (يقول تعالى ذكره (ومن رحمته) بكم أيها الناس (جعل لكم الليل والنهار) فخالف بينهما فجعل هذا الليل ظلاماً (لتسكنوا فيه) وتهدءوا وتستقروا لراحة أبدانكم فيه من تعب التصرف الذي تتصرفون نهاراً لمعايشكم)1.

فالله سبحانه جعل هذا الليل سكناً لنا، قال تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الأنعام: 96، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يونس: 67، وقال: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} غافر: 61،.

فهذا الظلام الذي يغطي وجه الأرض إنما هو لمنفعة هذا المخلوق، وهو رحمة من الله تعالى بعباده، يقول ابن كثير عند تفسير قوله -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا}،الفرقان: 47: (أي يلبس الوجود ويغشاه كما قال تعالى: (والليل إذا يغشى)، (والنوم سباتاً) أي قاطعاً للحركة لراحة الأبدان فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا، (وجعل النهار نشوراً) أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم؛ كما قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ}2.

فالله هو أرحم الراحمين، وهو الخبير بما خلق، والعليم بما يصلح أحوالهم، وما ينفعهم أو يضرهم، وأحسن فجعل هذه الموازين لكي تستقر حياة المخلوقات، وتعيش بميزان لا اضطراب فيه ولا خلل، { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } النمل: 88، { ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} السجدة: 6-7، ولكن البعض من خلقه عكسوا هذا الميزان، وتنكبوا تلكم الفطرة، فشاهدنا من قلب ليله إلى نهار، ونهاره إلى ليل، فتجده يسهر الليل كله، وينام النهار كله، وليته سهر في مرضات الله، وعلى طاعة الله أو ما ينفعه، ولكن سهر في استنزال غضب الله والتعرض لسخطه، فكم من أناس يسهرون على المعاصي من مشاهدة القنوات الخليعة، والصور العارية، ومتابعة الفساد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فهؤلاء، قد أخلوا بما خلقوا له، وأخلوا بتلك الفطرة التي خلقهم الله عليها، ولم يعملوا وفق ما أراد الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله..

وبسبب الاختلال الذي حدث في تصرفات هؤلاء، نتجت لديهم أضرار كثيرة على دينهم وعلى دنياهم، فكم من عبادة ضيعوها! وكم من معصية اقترفوها! وكمن خير حرموا منه، وكم فوتوا على أنفسهم أعمال تنفعهم!. بل وجنوا من وراء السهر الضرر الكبير على أبدانهم لما يسببه السهر من أمراض، كالصداع والتعب والغثيان واحمرار العينين وانتفاخهما والتوتر العصبي والقلق وضعف الذاكرة والتركيز وسرعة الغضب والألم في العضلات وبعض المشكلات الجلدية كالبثور وغيرها..

حتى جهاز المناعة لدى الإنسان قد يتأثر بالسهر وقد عكفت إحدى الجامعات بكندا طوال عشر سنوات على دراسة السبب الخافي لبعض الأمراض فتبين أن النوم وقلته وراءها وأن هذا الجهاز العصبي للإنسان مبرمج على ساعات اليقظة وساعات النوم التي يحتاجها الإنسان وعند حدوث أي تغيير في هذه البرمجة يصاب الجهاز المناعي بالخلل والاضطراب.

فالسهر إذا لم يكن في منفعة فلا خير فيه، فلو أن الإنسان أدى ما عليه، وأكمل أعماله، ونام في أول الليل وقام في آخره لظفر بالخير الكثير، وأراح بدنه من مشاق أعمال النهار، فيستيقظ في يومه الثاني وهو مستعد لقضاء أعمال ذلك اليوم، فلا تتزاحم عنده الأعمال، ويسعد في حياته، وبعد مماته.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين، ومن أولياءه المتقين، وأن يوفقنا لكل خير، ويجنبا كل شر، ونسأله أن يلهمنا رشدنا، ويعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علماً، وصلى الله وسلم على نبيه محمد، والحمد لله رب العالمين

  مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

أنواع مخالطة الناس

 

قال ابن قيم الجوزية :

ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة ويجعل الناس فيها أربعة أقسام متى خلط أحد الأقسام بالآخر ولم يميز بينهما دخل عليه الشر أحدها: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة ثم إذا احتاج إليه خالطه هكذا على الدوام وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر وهم العلماء بالله تعالى وأمره ومكايد عدوه وأمراض القلوب وأدويتها الناصحون لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولخلقه فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله.

 القسم الثاني: من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته وهم من لا يستغنى عنه مخالطتهم في مصلحة المعاش وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم من

 القسم الثالث: وهم من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه فمنهم من مخالطته كالداء العضال والمرض المزمن وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا ومع ذلك فلا بد من أن تخسر عليه الدين والدنيا أو أحدهما فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت فهي مرض الموت المخوف ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضربا عليك فإذا فارقك سكن الألم ومنهم من مخالطته حمى الروح وهو الثقيل البغيض العقل الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به فهو يحدث من فيه كلما تحدث ويظن أنه مسك يطيب به المجلس وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض ويذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: “ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر” ورأيت يوما عند شيخنا قدس الله روحه رجلا من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعف القوى عن حمله فالتفت إلي وقال: “مجالسة الثقيل حمى الربع ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى فصارت لها عادة” أو كما قال وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى للروح فعرضية ولازمة ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب وليس له بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا

القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء وما أكثر هذا الضرب في الناس لا كثرهم الله وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سنة رسول الله الداعون إلى خلافها {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} فيجعلون البدعة سنة والسنة بدعة والمعروف منكرا والمنكر معروفا إن جردت التوحيد بينهم قالوا تنقصت جناب الأولياء والصالحين وإن جردت المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين وإن وصفت الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا أنت من المشبهين وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين وإن انقطعت إلى الله تعالى وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا أنت من المبلسين وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم فأنت عند الله تعالى من الخاسرين وعندهم من المنافقين فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم وأن لا تشتغل بإعتابهم ولا باستعتابهم ولا تبالي بذمهم ولا بغضبهم فإن عين كمالك كما قال:

 

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشهادة لي بأني فاضل

وقال آخر:

وقد زادني حبا لنفسي أنني

بغيض إلى كل امريء غير طائل

فمن كان بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم وهي فضول النظر والكلام والطعام والمخالطة واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرزه من الشيطان فقد أخذ بنصيبه من التوفيق وسد على نفسه أبواب جهنم وفتح عليها أبواب الرحمة وانغمر ظاهره وباطنه ويوشك أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء فعند الممات يحمد القوم التقي وعند الصباح يحمد القوم السرى والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه.

كتاب بدائع الفوائد 2 / 274 ــ 276

الرابط:http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=283

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

الحمد لله كله

قال ابن تيمية (وأما أهل السنة فيقولون: الحمد لله كله، وإنما للعبد حمد مقيد لكون الله تعالى أنعم به عليه، كما للعبد ملك مقيد، وأما الملك المستقل، والحمد المستقل، والملك العام، والحمد العام، فهو لله رب العالمين لا إله إلا هو له الملك وله ا…لحمد وهو على كل شيء قدير.

131- وفي “السنن”2 عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد فقد أدى شكر ذلك اليوم فمن قال مثل ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة“.

132- وقال تعالى: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} (النحل:53، 54) .

133- وقال تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} (الواقعة:82) .

من كتاب قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات

لابن تيمية

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

الأخوة الإيمانية التزامها بمنزلة التزام الصلاة

“الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: ( إنما المؤمنون إخوة ) [1] ،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه” [2]،

 وقوله : ” لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يستام على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه” [3]

 وقوله : ” والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه” [4]،

 ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن.

فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والمعاهدة

عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة..” [5]

—————————————–

 [1] الحجرات آية : 10

 [2] تقدم نخريجه.

 [3] صحيح مسلم ص347 ح(1412)و(1413) و(1414) كتاب النكاح باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك. ومسند أحمد ج2/277 وصحيح ابن حبان ج11/339 والطبراني في الأوسط ج1/162.

 [4] صحيح البخاري مع الفتح ج1/73 ح(13) كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وصحيح مسلم ص25ح(45) كتاب الإيمان باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.

 [5] مجموع الفتاوى لابن تيمية: ج11/100، 101.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

الستر

يُحكى أن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- كان له كاتب، وكان جيران هذا الكاتب يشربون الخمر؛ فقال يومًا لعقبة: إنَّ لنا جيرانًا يشربون الخمر، وسأبلغ الشرطة ليأخذوهم، فقال له عقبة: لا تفعل وعِظْهُمْ. فقال الكاتب: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داعٍ لهم الشرطة ليأخذوهم، فهذا أفضل عقاب لهم. فقال له عقبة: ويحك. لا تفعل؛ فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة” أبو داود

*يحكى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جلس بين مجموعة من أصحابه، وفيهم جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- وبينما هم جالسون أخرج أحد الحاضرين ريحًا، وأراد عمر أن يأمر صاحب ذلك الريح أن يقوم فيتوضأ، فقال جرير لعمر: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعًا. فسُرَّ عمر بن الخطاب من رأيه وقال له: رحمك الله. نِعْمَ السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام.

*ما هو الستر؟

الستر هو إخفاء ما يظهر من زلات الناس وعيوبهم.

ستر الله لعباده:

الله -سبحانه- سِتِّير يحب الستر، ويستر عباده في الدنيا والآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدنو أحدكم من ربه، فيقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره، ثم يقول: إني سترتُ عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) البخاري

وقال صلى الله عليه وسلم:”إنَّ الله -عز وجل- حَيِي ستِّير، يحب الحياء والستر” أبوداود والنسائي وأحمد

أنواع الستر:

الستر له أنواع كثيرة، منها:

ستر العورات: المسلم يستر عورته، ولا يكشفها لأحد لا يحل له أن يراها.

قال الله -تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} المؤمنون: 5-6

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي وما نذر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك”.

فقال السائل: يا نبي الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن استطعتَ أن لا يراها أحد، فلا يرينَّها.”

قال السائل: إذا كان أحدنا خاليًا؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”فالله أحق أن يستحيا منه من الناس”

أبوداود والترمذي وابن ماجه

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة” مسلم

أما ما تفعله كثير من النساء اليوم من كشفٍ لعوراتهن، وعدم إخفاء زينتهن، وخروج بلا أدب ولا حشمة، بكل سفور وتبرج، فإنما ذلك إثم كبير، وذنب عظيم، والمسلمة الملتزمة أبعد ما تكون عن ذلك؛ لأنها تصون جسدها وتلتزم بحجابها.

الستر عند الاغتسال: يجب على المسلم إذا أراد أن يغتسل أو يستحم أن يستتر؛ حتى لا يطَّلع على عورته أحد لا يحق له الاطلاع عليها، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغتسل استتر عن الناس، ثم اغتسل.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله -عز وجل- حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر” أبوداود والنسائي وأحمد

الستر عند قضاء الحاجة: إذا أراد المسلم أن يقضي حاجته من بول أو غائط ، فعليه أن يقضيها في مكان لا يراه فيه أحد من البشر؛ حتى لا يكون عرضة لأنظار الناس.

وليس من الأدب ما يفعله بعض الصبية من التبول في الطريق، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فسمع صوت اثنين يعذبان في قبريهما، فقال صلى الله عليه وسلم: “إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة” متفق عليه

ستر أسرار الزوجية: المسلم يستر ما يدور بينه وبين أهله، فلا يتحدث بما يحدث بينه وبين زوجته من أمور خاصة، أمرنا الدين الحنيف بكتمانها، وعدَّها الرسول صلى الله عليه وسلم أمانة لا يجوز للمرء أن يخونها بكشفها، وإنما عليه أن يسترها.

قال صلى الله عليه وسلم:”إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفْضِي إلى امرأته، وتُفْضِي إليه ثم يَنْشُرُ سرها” مسلم وأبوداود

ستر الصدقة: المسلم لا يبتغي بصدقته إلا وجه الله -سبحانه-، لذا فهو يسترها ويخفيها حتى لا يراها أحد سوى الله -عز وجل-، وقد قال الله -تعالى-: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} البقرة: 274

كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أَحَدَ السبعة الذين يظلُّهم الله في ظله يوم القيامة رجُلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وقال صلى الله عليه وسلم: “صدقة السر تطفئ غضب الرب” الطبراني.

ستر الرؤيا السيئة: إذا رأى المؤمن في نومه رؤيا حسنة فليستبشر بها، وليعلم أنها من الله، وليذكرها لمن أحب من إخوانه الصالحين، أما إذا رأى رؤيا سيئة يكرهها فليتفل عن يساره ثلاث مرات، ويتعوذ بالله من شر هذه الرؤيا، ولا يذكرها لأحد، وليعلم أنها من الشيطان، ولا تضره.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان؛ فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله” متفق عليه

ستر وساوس الشيطان: إذا تحدث المؤمن في نفسه بشَرٍّ، أو نوى أن يقوم بمعصية، لكنه عاد إلى رشده؛ فإن عليه ألا يذكر ما جال بخاطره وما حدثتْه به نفسه من الشر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله -عز وجل- تجاوز لأمتي عما حدثتْ به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به” متفق عليه

شروط الستر:

إذا أراد المسلم أن يستر أخاه، فإن هناك شروطًا لابد أن يراعيها عند ستره؛ حتى يحقق الستر الغرض المقصود منه، وأهم هذه الشروط:

* أن يكون الستر في موعده المحدد له؛ فيستر المسلم أخاه عند فعله للمعصية وبعدها، بألا يتحدث للناس بأن فلانًا يرتكب المعاصي.

* أن تكون المعصية التي فعلها المسلم لا تتعلق بغيره ولا تضر أحدًا سواه، أما إذا وصل الضرر إلى الناس فهنا يجب التنبيه على تلك المعصية لإزالة ما يحدث من ضرر.

* أن يكون الستر وسيلة لإصلاح حال المستور بأن يرجع عن معصيته ويتوب إلى الله -تعالى-، أما إذا كان المستور ممن يُصِرُّ على الوقوع في المعصية، وممن يفسد في الأرض، فهنا يجب عدم ستره حتى لا يترتب على الستر ضرر يجعل العاصي يتمادى في المعصية.

* ألا يكون الستر وسيلة لإذلال المستور واستغلاله وتعييره بذنوبه.

* ألا يمنع الستر من أداء الشهادة إذا طلبت، {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} البقرة: 283

* الستر مرهون برد المظالم، فإذا لم ترد فالساتر شريك للمستور عليه في ضياع حق الغير.

فضل الستر:

حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على ستر العورات؛ فقال: “لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة” مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم:”من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة” ابن ماجه

فهكذا يكون الستر في الآخرة نتيجة لما يقوم به المسلم من ستر لأخيه في الدنيا، والثواب يكون في الدنيا أيضًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة” الترمذي

والستر ثوابه الجنة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه، إلا أدخله الله بها الجنة” الطبراني

المجاهَرة بالمعاصي:

المسلم إذا فعل ذنبًا فإنه يبادر بالتوبة والاستغفار والندم على فعله؛ حتى يعافيه الله ويتوب عليه، أما الذين لا يندمون على ذنوبهم بل إنهم يتباهون بالمعصية، فإن هؤلاء لا يعافيهم الله، وقد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم المجاهرين، فقال: “كل أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة، أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره ربه، فيقول: يا فلان، قد عملتُ البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه” البخاري

والذين لا يسترون الناس ويشيعون بينهم الفاحشة، فإن لهم العذاب الأليم من الله تعالى حيث يقول: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} النور: 19

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:”ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته” ابن ماجه

فالمسلم دائمًا يتصف بالستر للآخرين اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستـر مسلمًا ستره الله يـوم القيامة” البخاري

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

 

ارض بما قسم الله تكن من أغنى الناس

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه – قال : ارض بما قسم الله تكن من أغنى الناس، واجتنب المحارم تكن من أورع الناس، وأد ما افترض عليك تكن من أعبد الناس .

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال :

 قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم:” يقول العبد مالي . مالي, و إنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى, أو لبس فأبلى, أو تصدق فأمضى, وما سوى ذلك فذاهب و تاركه للناس “.

و قال الله تعالى :{ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى }  طه : 131

فإذا رأيت من هو أكثر منك مالا, أو ولدا فاعلم أن هناك من أنت أكثر منه مالا, وولدا أيضا . فانظر إلى من أنت فوقه, و لا تنظر إلى من هو فوقك . قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم -:” انظروا إلى من هو أسفل منكم, و لا تنظروا إلى من هو فوقكم, فهو أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم “.  حديث صحيح

قال ابن كثير – رحمه الله – : ” يقول الله تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم – لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون, و أشباههم, و نظرائهم فيه من النعيم ؛ فإنما هي زهرة زائلة لنختبرهم بذلك و قليل من عبادي الشكور, فقد أتاك الله خيرا مما أتاهم, و لهذا قال :{ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ و أبقى } و في الصحيحين أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لما دخل على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – في تلك المشرُبة التي اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن, فرآه متوسدا مضطجعا على رمال و حصير, وليس في البيت إلا صُبرة من قرظ واهية معلقة, فابتدرت عينا عمر بالبكاء, فقال له رسول الله – صلى الله عليه السلام -:

” وما يبكيك يا عمر ؟ فقال : يا رسول الله إن كسرى, وقيصر فيما هم فيه و أنت صفوة الله من خلقه ! فقال : أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟! أولئك قوم عُجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا “.

فكان – صلى الله عليه وسلم – أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها, و إذا حصلت له ينفقها هكذا, و هكذا في طاعة الله, و لم يدخر لنفسه شيئا لغد ” ا.ه

صلى الله عليك يا علم الهدى و هو الذي قال : ” إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا . قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله ؟ قال بركات الأرض “.

 أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا

و كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أصابته خصاصة نادى أهله : ” يا أهلاه . يا أهلاه صلوا صلوا “.

و كان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ؛ لأنهم يعلمون أنه لا عيش إلا عيش الآخرة . و قال – صلى الله عليه و سلم – : ” يقول الله تعالى : يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى, و أسد فقرك, و إن لم تفعل ملأت صدرك شغلا و لم أسد فقرك “.

 أخرجه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة

يقول رسول الله – صلى الله عليه و سلم -:” من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره, و جعل فقره بين عينيه, و لم يأته من الدنيا من الدنيا إلا ما كتب له . و من كانت الآخرة نيته جمع له أمره, و جعل غناه في قلبه, و أتته الدنيا و هي راغمة “.

و العاقبة للتقوى, فارض يا عبد الله بم قسم الله لك تكن أغنى الناس . و لنتذكر قول النبي – صلى الله عليه و سلم – : ” من أصبح آمنا في سربه, معافا في جسده, عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها “.  حديث حسن

و تأمل في قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “قد أفلح من أسلم, و كان رزقه كفافا, و قنعه الله بما آتاه “.حديث صحيح  

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

“ما ألهم الله عبداً أن يستغفر إلا وهو يريد أن يغفر له

 علي بن أبي طالب رضي الله عنه

الاستغفار

قال تعالى: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا).

ويروى عن لقمان ــ عليه السلام ــ أنه قال لابنه: يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا.

وقالت أم المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا. وقال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم الاستغفار.

كما قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحب من الاستغفار. وروي عن الحسن ــ رضي الله عنه ــ قال: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقاتكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة.

وصيغ الاستغفار الواردة في الأحاديث النبوية الشريفة كثيرة منها:

سيد الاستغفار وهو أفضلها، وهو أن يقول العبد: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

الصبر نصف الإيمان

 

قال ابن قيم الجوزية:

الصبر نصف الايمان

والايمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر قال غير واحد من السلف الصبر نصف الايمان وقال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه: “الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر” ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله {ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور} في سورة ابراهيم وفي سورة حمعسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات

أحدها أن الايمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهى ترجع إلى شطرين فعل وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور

الاعتبار الثانى أن الايمان مبنى على ركنين يقين وصبر وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فباليقين يعلم حقيقة الامر والنهى والثواب والعقاب وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالامر والنهى انه من عند الله وبالثواب والعقاب الا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور الا بالصبر فصار الصبر نصف الايمان والنصف الثانى الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهى عنه الاعتبار الثالث أن الايمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنا كما قال عن قوم فرعون {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} وقال موسى لفرعون {لقد علمت ما أنزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر} فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنا بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتى بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا واذا فعل ذلك لم يكف في كمال ايمانه حتى يفعل ما امر به

فهذه الاركان الاربعة هى أركان الايمان التى قام عليها بناؤه وهى ترجع إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذى هو متعلق النهى وكلاهما لا يحصل الا بالصبر فصار الايمان نصفين أحدهما الصبر والثانى متولد عنه من العلم والعمل

الاعتبار الرابع أن النفس لها قوتان قوة الاقدام وقوة الاحجام وهى دائما تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصى الله وكل منهما لا يمكن حصوله الا بالصبر

الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال تعالى انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وفي الدعاء عند النوم الذى رواه البخارى في

صحيحه”اللهم انى أسلمت نفسى اليك ووجهت وجهى اليك وفوضت امرى اليك وألجأت ظهرى اليك رغبة ورهبة اليك” فلا تجد المؤمن أبدا الا راغبا وراهبا والرغبة والرهبة لا تقوم الا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر

الاعتبار السادس ان جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والاخرة أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الاخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الاخرة ويترك ما يضره فيها وهو حقيقة الايمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر

الاعتبار السابع ان العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجرى عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر ففعل المأمور هو الشكر وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر

الاعتبار الثامن إن العبد فيه داعيان داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم فعصيان داعى الشهوة والهوى هو الصبر وإجابة داعى الله والدار الآخرة هو الشكر

الاعتبار التاسع ان الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذى رواه أحمد والنسائى عن النبي: “اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد” وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق

الاعتبار العاشر ان الدين مبنى على أصلين الحق والصبر وهما المذكوران في قوله تعالى

{وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه فكان الصبر نصف الايمان والله سبحانه وتعالى أعلم.

المصدر:http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=252

 كتاب عدة الصابرين 108 ــ 111

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

أنواع الهداية أربعة

فاعلم أن أنواع الهداية أربعة

أحدها:الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى:

 {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال وهذه هداية الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره وهداية الجمال المسخر لما خلق له فله هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها وكذلك كل عضو له هداية تليق به فهدى الرجلين للمشي واليدين للبطش والعمل واللسان للكلام والأذن للاستماع والعين لكشف المرئيات وكل عضو لما خلق له وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد وهدى الولد إلى التقام الثدي عند وضعه وطلبه مراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو فتبارك الله رب العالمين وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء ومن تأمل بعض هدايته المثبوتة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته بل يتركه معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثبه ولا يعاقبه وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله ولهذا أنكر ذلك على من زعمه ونزه نفسه عنه وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه وأنه يتعالى عنه فقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} فنزه نفسه عن هذا الحسبان فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} بقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر

يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها

النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا ومنها قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وفي قوله: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له” رواه مسلم وأحمد والبيهقي وفي قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} وقال أهل الجنة فيها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} وقال تعالى عن أهل النار: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} إذا عرف هذا فالهداية المسئولة في قوله: {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام طلب التعريف والبيان والتوفيق فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له وكذلك الإلهام والتوفيق قلنا: لقد أجيب عنها بأن المراد التثبيت ودوام الهداية واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور هو محتاج إليها حاجة

لا غنى له عنها الأمر الأول معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى مرضيا له فيؤثره وكونه مغضوبا له مسخوطا عليه فيجتنبه فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازما عليه ومريدا لترك جميع ما نهى الله عازما على تركه بعد خطوره بالبال مفصلا وعازما على تركه من حيث الجملة مجملا فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة الأمر الثالث أن يكون قائما به فعلا وتركا فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها أحدها: أمور هدي إليها جملة ولم يهتد إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها الثاني: أمرو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلا من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها وإذا كان كذلك فإنما يقال كيف يسأل الهداية وهي موجودة له ثم يجاب عن ذلك بأن المراد التثبيت والدوام عليها إذا كانت هذه المراتب حاصلة له بالفعل فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه وما لا يريده من رشده أكثر مما يريده ولا سبيل له إلى فعله إلا بأن يخلق الله فاعليه فيه فالمسئول هو أصل الهداية على الدوام تعليما وتوفيقا وخلقا للإرادة فيه وإقدارا له وخلقا للفاعلية وتثبيتا له على ذلك فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج

من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه.

كتاب بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه 

قال ابن تيمية في رسالة العبودية: ( دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا.

وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين أن يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة الله ورسوله وهو الواجب والمستحب كما قال ” فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا “

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

 قال أبو سليمان الداراني:

” ا”جعل الصدق مطيتَك، والحقَّ سيفَك، واللهَ تعالى غايةَ طلبك

الغزالي: إحياء علوم الدين

الصـــدق

مما لاشك فيه أن أعظم زينة يتزين بها المرء في حياته بعد الإيمان هي زينة الصدق

فالصدق أساس الإيمان كما إن الكذب أساس النفاق ،فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما يحارب الآخر

مــا هـو الصـدق؟

الصدق بمعناه الضيق مطابقة منطوق اللسان للحقيقة، وبمعناه الأعم مطابقة الظاهر للباطن، فالصادق مع الله ومع الناس ظاهره كباطنه.

مكــانــة الصـدق:

* الصدق مرتبط بالإيمان, وقد سأل الصحابة فقالوا: يا رسول الله أيكون المؤمن جبانـًا ؟ قال: ” نعم “، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذَّابـًا ؟ قال: ” لا.

حديث حسن

* الصدق خلق الأنبياء عليهم السلام, وكان الصدق صفة لازمة للرسول صلى الله عليه وسلم.

 

* الصدق نجاة وخير, وعاقبة الصدق خير وإن توقع المتكلم شرًا قال تعالى {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ}

“الصدق طمأنينة وثبات كما جاء في الحديث

فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة “حسن صحيح

مجـالات الصـدق:

1- الصدق مع الله:

وذلك بإخلاص الأعمال كلها لله.

2- الصدق مع الناس:

فلا يكذب المسلم في حديثه مع الآخرين

3- الصدق مع النفس:

فالمسلم الصادق يعترف بعيوبه وأخطائه ويصححها.

ثمـرات الصـدق:

1- إنَّ أقلَّ ما يحصِّلُهُ الصادق في الدنيا حلاوةً في منطقه وهيبةً في مطْلعه.

2- الفوز بثمرات التقوى العاجلة والآجلة.

3-اطمئنان المؤمن على إيمانه, فالصدق أساس الإيمان.

4- يحظى الصادق دائماً بثقة من حوله.

كيفية تحقيق الصـــدق:

1- تذكر ثواب الصادقين وعظم منزلتهم.

2- مجالسة أهلِ الصدق، فإن للمجالسة والمخالطة أثراً كبيراً في السلوك والأخلاق.

3- الدعاء، وهذا من أعظم الأسباب الموصلة إلى محاسن الأخلاق.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى : “إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه المُلْك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفاً ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي قال: استخلفت عليهم ابن أبزى، فقال من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى. فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين”.

وقال أبو العالية: “كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفاً ويجلس المملوك على الأسرة

 مفتاح السعادة لابن قيّم الجوزية

1: 164

http://www.islamicbook.ws/amma/mftah-dar-alsaadt-.pdf

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

المؤمن مرآة أخيه

عن أبي هريرة _رضي الله عنه( قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: “المؤمن مرآة أخيه”(1) هذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، وقد اشتمل على معان حسنة.

وفيه جملة بليغة من الذي قال: “بعثت جوامع الكلم”(2)، قال أبوموسى: “وكان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه”(3).

فالعبارة الواحدة منه _عليه الصلاة والسلام_ تحتاج منا إلى كتابات كثيرة ومقالات عديدة ثم لا نستوفي بذلك ما فيها من حكم وعبر فحديث: “يا أبا عمير ما فعل النغير؟”(4) من العلماء من صنف فيه كابن القاص الذي انتزع منه ستين فائدة، وزاد عليها بعضهم!

وهذه العبارة الجامعة منه _صلى الله عليه وسلم_: “المؤمن مرآة أخيه”، فيها ضوابط النصيحة في ثوب المثال.

وذلك لأن المثل أوقع في النفس من الكلام المجرد وأبقى في الذهن ولذا كثر في القرآن، وهذه العبارة منه _صلى الله عليه وسلم_ يسميها البلاغيون بالتشبيه البليغ، وهو ما حذف منه الأداة ووجه الشبه كما في هذا الحديث، والمراد أن المسلم يعمل عمل المرآة لصاحبها، فماذا تعمل المرآة وكيف تعمل؟

المرآة تكشف الأدران البدنية التي تلحق بنا وكذا المسلم يكشف لأخيه ما به من عيوب وأدران معنوية وذلك من خلال المناصحه.

والمرآة تكشف الأدران الحسية بلطف، فليس لها عصا غليظة تشير بها إلي موضع الدرن في الجسد، وكذا المسلم يبين لأخيه العيوب بأسلوب حسن وكلام لطيف لأنه يرى أن عليه إصلاحه.

والمرآة لا تكشف العيوب لغير حاملها فلا تكشف الأدران لغير حاملهاكذا المسلم لا يفضح أخاه، بل يناصحه في السر ومما ينسب للإمام الشافعي قوله:

ومما ينسب للإمام الشافعي قوله:

تعمدني بنصحك في انفرادٍ

وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع

من التوبيخ لا أرضى استماعه

والمرآة لا تذهب بعد أن تكشف الأدران بل تبقي معينة علي إزالتها، وكذا المسلم يبقي معين لك علي إزالة ما أنت فيه من الأخطاء والعيوب، ولا ينتقد نقداً سلبياً هداماً لأجل النقد فحسب.

ثم إن المرآة لا تحدث بصورتك غيرك، ولا تعرضها لسواك في غيبتك، فلا تفشي سرك عند الآخرين، وكذلك ينبغي أن يكون الأخ المسلم.

بل إن المرآة لا تحفظ الصورة التي نكون عليها سابقا، فإذا أتى أحد بعدُ لا يرى من وقف أمامها حال كونه متسخاً، أو حال إزالته الأوساخ عن جسده، وكذا المسلم فإنه ينسي ما بأخيه من العيوب بمجرد أن تزول عنه، وتبقى صورة أخيه خالية من العيوب في ذهنه، فضلاً عن أن يبث ما رأى من عيب.

وبقدر ما تكون المرآة نقية يكون كشفها للعيوب أوضح وشفافيتها في ذلك أكثر، وكذا المسلم بقدر ما تكون نفسه أنقى وقلبه لله أتقي يكون شعوره بالعيب والخطاء أكثر، ولذا فإن على المسلم أن يصحب تقيا عارفا يعرفه عيوب نفسه، وقد قال عمر _رضي الله عنه_: “رحم الله عبداً أهدى إلي عيوبي“.

وأخيراً كثير من الناس يعرضون أنفسهم علي المرآة كلما مر عليه وقت أو تغير لهم حال كالنوم مثلاً، فكذا ينبغي للعاقل أن يطلب النصيحة من أهل الصلاح والتقي كل ما مر عليه زمان، أو طرأ عليه طارئ، وليجعل أهل الخير والعقل مرآته.

________

(*) من إعداد المكتب العلمي لفضيلة الشيخ ناصر العمر بإشرافه.

(1)     أرجه ابن وهب في الجامع، والبيهقي في الشعب 6/113/7645 والبخاري في الأدب المفرد 239وغيرهم وله شواهد تنظر الصحيحة للألباني رقم (926) 2/596.

(2)     متفق عليه من حديث أبي هريرة؛ البخاري 3/1087 (2815)، ومسلم 1/371 (523).

(3)     صحيح مسلم 3/1585 (2001).

(4)     متفق عليه من حديث أنس؛ البخاري 5/2291 (5850)، ومسلم 3/1692 (2150). 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

التقوى سبب كل خير

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم القيامة، أما بعد:-

فلشدة الحاجة إلى التقوى ولعظم شأنها، ولكون كل واحد منا، بل كل واحد من المسلمين في أشد الحاجة إلى التقوى والاستقامة عليها، رأيت أن تكون محاضرتي هذه الليلة بعنوان “التقوى سبب كل خير” كل من تدبر موارد التقوى في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، علم صحة هذا المعنى، فأنت يا عبد الله إذا قرأت كتاب ربك من أوله إلى آخره، تجد التقوى رأس كل خير، ومفتاح كل خير، وسبب كل خير في الدنيا والآخرة، وإنما تأتي المصائب والبلايا والمحن والعقوبات بسبب الإهمال أو الإخلال بالتقوى وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها، فالتقوى هي سبب السعادة والنجاة وتفريج الكروب والعز والنصر في الدنيا والآخرة، ولنذكر في هذا آيات من كتاب الله، ترشد إلى ما ذكرنا، من ذلك قوله جل وعلا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} قال بعض السلف في هذه الآية: أجمع آية في كتاب الله أو قال: من أجمع آية في كتاب الله، وما ذاك إلا لأن الله رتب عليها خير الدنيا والآخرة، لأن تفريج الكروب والرزق من حيث لا يحتسب العبد يعم الدنيا والآخرة، فمن اتقى الله جعل له مخرجا من مضايق الدنيا ومضايق الآخرة، والإنسان في أشد الحاجة، بل في أشد الضرورة إلى الأسباب التي تخلصه من المضايق في الدنيا والآخرة، ولكنه في الآخرة أشد حاجة وأعظم ضرورة الكربات وأعظم المضايق كربات يوم القيامة، وشدائدها،فمن اتقى الله في هذه الدار فرج الله عنه كربات يوم القيامة،وفاز بالسعادة والنجاة في ذلك اليوم العظيم العصيب، فمن وقع في كربة من الكربات فعليه أن يتقي الله في جميع الأمور، حتى يفوز بالفرج والتيسير، فالتقوى باب لتفريج كربة العسر وكربة الفقر وكربة الظلم وكربة الجهل وكربة السيئات والمعاصي وكربة الشرك والكفر إلى غير ذلك، فدواء هذه الأمور وغيرها أن يتقي بترك الأمور التي حرمها وبالتعلم والتفقه في الدين حتى يسلم من عواقبها في الدنيا والآخرة، فالسيئات لها عواقب في الدنيا من عقوبات قدرية، أو عقوبات شرعية، من الحدود والتعزيرات والقصاص ولها عقوبات في الآخرة، أولها عذاب القبر، ثم بعد الخروج من المقابر بعد البعث والنشور عقوبات وشدائد يوم القيامة، ومن عقوباتها أيضا أن الإنسان يخف ميزانه بسبب إضاعة التقوى ويرجح ميزانه بسبب استقامته على التقوى، ويعطى كتابه بيمينه إذا استقام على التقوى، وبشماله إذا انحرف عن التقوى، ويدعى إلى الجنة إذا استقام على التقوى، ويساق إلى النار إذا ضيع التقوى وخالف التقوى ولا حول ولا قوة لا بالله.

الإنسان محتاج أيضا إلى الرزق الحلال الطيب في هذه الدار وإلى النعيم المقيم في الآخرة وهو أحسن نعيم وأعظم النعيم ولا نعيم فوقه، ولا طريق إلى ذلك ولا سبيل إلا بالتقوى،فمن أراد غز الدنيا والرزق الحلال فيها والنعيم في الآخرة،فعليه بالتقوى.

والإنسان محتاج إلى العلم، والبصيرة والهدى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقوى كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانا} والفرقان كما قال أهل العلم: هو النور الذي يفصل به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال.

ولا يخفى على من تأمل أن الاجتهاد في طلب العلم والتفقه في الدين من جملة التقوى، وبذلك يحصل النور والهدى، وهما الفرقان، فالتقوى كلمة جامعة حقيقتها الإيمان والعمل الصالح كما قال الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} وكما قال عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون} فالتقوى حقيقتها إيمان صادق بالله ورسوله، وبما أخبرت به الرسل عما كان وعما يكون،ثم عمل صالح وهو مقتضى الإيمان وموجبه، ومن ذلك التعلم والتفقه في الدين وهما من التقوى كما تقدم، ولذلك رتب الله على التقوى الفرقان، لأن من شعبها التعلم والتفقه في الدين والتبصر في ما جاء به المصطفى عليه الصلاة والسلام.

فالإنسان قد تضيق أمامه الدروب وتسد في وجهه الأبواب في بعض حاجاته، فالتقوى هي المفتاح لهذه المضائق وهي سبب التيسير لها كما قال عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}وقد جرب سلفنا الصالح وهم الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان، كما جرب قبلهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام الذين بعثهم الله لهداية البشر، وحصلوا بالتقوى على كل خير وفتحوا بها القلوب، وهدوا بها البشرية إلى الصراط المستقيم.

وإنما حصلت لهم القيادة للأمم والذكر الجميل والفتوحات المتتبعة بسبب تقواهم لله وقيامهم بأمره وانتصارهم لدينه وجمع كلمتهم على توحيده وطاعته، كما أن الناس في أشد الحاجة إلى تكفير السيئات وحط الخطايا وغفران الذنوب وسبيل هذا هو التقوى كما قال عز وجل: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} وقال عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} ومن أعظم الأجر الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهكذا المسلمون في أشد الحاجة إلى النصر على أعدائهم والسلامة من مكائد الأعداء ولا سبيل إلى هذا إلا بالتقوى كما قال عز وجل: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}فالمسلمون إذا صبروا في طاعة الله وفي جهاد أعدائه واتقوا ربهم في ذلك بإعداد العدة المستطاعة البدنية والمالية والزراعية والسلاحية وغير ذلك نصروا على عدوهم لأن هذا كله من تقوى الله، ومن أهم ذلك إعداد العدة المستطاعة من جميع الوجوه، كالتدريب البدني والمهني والتدريب على أنواع الأسلحة، ومن ذلك إعداد المال وتشجيع الزراعة والصناعة وغير ذلك مما يستعان به على الجهاد والاستغناء عما لدى الأعداء وكل ذلك داخل في قوله سبحانه:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ولا يتم ذلك إلا بالصبر، والصبر من أعظم شعب التقوى وعطفها عليه في قوله سبحانه: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا}من عطف العام على الخاص، فلابد من صبر في جهاد الأعداء، ولابد من صبر في الرباط في الثغور ولابد من صبر في إعداد المستطاع من الزاد والبدن القوي المدرب كما أنه لابد من الصبر في إعداد الأسلحة المستطاعة التي تماثل سلاح العدو أو تفوقه حسب الإمكان، ومع هذا الصبر لابد من تقوى الله في أداء فرائضه وترك محارمه والوقوف عند حدوده والانكسار بين يديه والإيمان بأنه الناصر، وأن النصر من عنده لا بكثرة الجنود ولا بكثرة العدة ولا بغير ذلك من أنواع الأسباب، وإنما النصر من عنده سبحانه وإنما جعل الأسباب لتطمين القلوب وتبشيرها بأسباب النصر كما قال جل وعلا: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}الآية وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}وقال عز وجل: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} الآية وهذه الأعمال من شعب التقوى، وبهذا يعلم معنى قوله سبحانه:{وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}فإذا أراد المسلمون النصر والعزة في الدنيا والآخرة وتفريج الكروب وتيسير الأمور وغفران الذنوب وتكفير السيئات والفوز بالجنات إلى غير هذا من وجوه الخير فعليهم بتقوى الله عز وجل، والله وصف أهل الجنة بالتقوى فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ، {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}، {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}، فبين سبحانه أنه أعد الجنة لأهل التقوى، فعلمت يا أخي أنك في أشد الحاجة إلى أن تتقي ربك، ومتى اتقيته سبحانه حق التقوى فزت بكل خير ونجوت من كل شر، وليس المعنى أنك لا تبتلى، بل قد تبتلى وتمتحن، وقد ابتلي الرسل وهم أفضل الخلق وأفضل المتقين حتى يتبين للناس صبرهم وشكرهم وليقتدى بهم في ذلك، فبالابتلاء يتبين صبر العبد وشكره ونجابته وقوته في دين الله عز وجل، يقول سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}فلابد من الامتحان والفتنة كما تقدم، وكما قال جل وعلا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ، وقال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، وقال سبحانه: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . فالاختبار لابد منه، فالرسل وهم خير الناس امتحنوا بأعداء الله . “نوح” تعلمون ما جرى عليه وهكذا هود وصالح وغيرهم وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المتقين وأفضل المجاهدين ورسول رب العالمين تعلمون ما أصابه بمكة، وفي المدينة وفي الحروب، ولكنه صبر صبرا عظيما حتى أظهره الله على أعداءه وخصومه، ثم ختم له سبحانه وتعالى بأن فتح عليه مكة ودخلت عشيرته في دين الله أفواجا وتابعهم الناس بعد ذلك، فلما أتم الله النعمة عليه وعلى أمته وأكمل لهم الدين اختاره إلى الرفيق الأعلى وإلى جواره عليه الصلاة والسلام بعد المحنة العظيمة والصبر العظيم والبلاء الشديد فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم أو يقول متى كنت متقيا أو مؤمنا فلا يصيبني شيء ليس الأمر كذلك، بل لابد من الامتحان، ومن صبر حمد العاقبة، لكن كما قال جل وعلا: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}، فالعاقبة لأهل التقوى، ومتى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه النفوس، فالعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، كما قال عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

فأنت يا عبد الله في أشد الحاجة إلى تقوى ربك ولزومها والاستقامة عليها ولو جرى ما جرى من الامتحان، ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله، أو من الفسقة والمجرمين لا تبالي، اذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام، واذكر أتباعهم بإحسان، فقد أوذوا واستهزئ بهم وسخر بهم ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة.

فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر فإن قلت ما هي التقوى؟فقد سبق لك شيء من بيانها وقد تنوعت عبارات العلماء في التقوى، وروي عن عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين رضي الله عنه ورحمه أنه قال: ليس تقوى الله بقيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى أداء فرائض الله وترك محارمه، فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير، فمن رزق بعد أداء الفرائض وترك المحارم نشاطا في فعل النوافل وترك المكروهات والمشتبهات فهو خير إلى خير، وقال طلق بن حبيب التابعي المشهور رحمه الله: تقوى الله أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معاصي الله على نور من الله تخاف عقاب الله، وقال بعضهم في تفسيرها:لتقوى طاعة الله ورسوله، وقال آخرون: أن تجعل بينك وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيك ذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، وكل هذه العبارات معانيها صحيحة. فالتقوى حقيقتها هي دين الإسلام وهي الإيمان والعمل الصالح، وهي العلم النافع والعمل به وهي الصراط المستقيم وهي الاستسلام له جل وعلا بفعل الأوامر، وترك النواهي عن إخلاص كامل له سبحانه وعن إيمانه به ورسله، وعن إيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، إيمان صادق يثمر أداء الفرائض وترك المحارم والمسارعة إلى الخير والحذر من الشر والوقوف عند الحدود، وإنما سمى الله دينه تقوى لأنه يقي من استقام عليه عذاب الله وغضبه، ويحسن له العاقبة جل وعلا وسمى هذا الدين إسلاما، لأن المسلم يسلم نفسه لله وينقاد لأمره، يقال أسلم فلان لفلان أي انقاد له، ولهذا سمى الله دينه إسلاما في قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} وغيرها من الآيات، لأن المسلم انقاد لأمر الله وذل لعظمته، فالمسلم حقا ينقاد لأمر الله، ويبتعد عن نهيه ويقف عند حدوده قد أعطى القيادة لربه فهو عبد مأمور رضاه وأنسه ومحبته ونعيمه في امتثال أمر الله وترك نهيه، هذا هو المسلم الحق.

ولهذا قيل له مسلم، يعني منقادا لأمر الله تاركا لمحارمه واقفا عند حدوده، يعلم أنه عبد مأمور عليه الامتثال،ولهذا سمى الدين عبادة كما سمى إسلاما، سمى عبادة كما في قوله سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}وفي قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}فسمي عبادة لأن العباد يؤدون أوامر الله ويتركون نواهيه عن ذل وخضوع وانكسار، وعن اعتراف بالعبودية وأنهم مماليك لله وأنه سيدهم، وأنه القاهر فوقهم، وأنه العالم بأحوالهم وأنه المدبر لشؤونهم، فهم عبيد مأمورون ذليلون منقادون لأمره سبحانه وتعالى، فلهذا سمى الله دينه عبادة لأن العبادة عند العرب هي التذلل والخضوع والانكسار، يقولون طريق معبد، يعني مذلل قد وطأته الأقدام، ويقولون أيضا، بعير معبد، يعني قد شد ورحل حتى ذل للركوب والشد عليه، فسميت طاعتنا لله عبادة لأننا نؤديها بالذل والخضوع لله جل وعل، وسمي العبد عبدا لأنه ذليل بين يدي الله مقهر والخضوع لله جل وعلا، وسمي العبد عبدا لأنه ذليل بين يدي الله مقهور مر بوب للذي خلقه وأوجده وهو المتصرف فيه سبحانه وتعالى.

وسمى هذا الدين أيضا إيمانا، لأن العباد يؤدونه عن إيمان بالله وتصديق به ورسله، فلهذا سمي دين الله إيمانا لهذا المعنى كما في الحديث الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان” أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم، فبين عليه الصلاة والسلام أن الدين كله إيمان وأن أعلاه قول لا إله إلا الله، فعلمنا بذلك أن الدين كله عند الله إيمان ولهذا قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فسماهم بذلك لأنك أيها المؤمن بالله واليوم الآخر تؤدي أعمالك وطاعتك وتترك المحارم عن إيمان وتصديق بأن الله أمرك بذلك ونهاك عن المحارم وأنه يرضى منك هذا العمل ويثيبك عليه وأنه ربك ولم يغفل عنك وأنت تؤمن بهذا، ولهذا فعلت ما فعلت فأديت الفرائض وتركت المحارم ووقفت عند الحدود وجاهدت نفسك لله عز وجل.

وسمي الدين برا لأن خصاله كلها خير، وسمى هذا الدين هدى لأن من استقام عليه فقد اهتدى إلى خير الأخلاق وإلى خير الأعمال، لأن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليكمل مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال كما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وفي حديث أنيس أخي أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مكارم الأخلاق فهذا الدين سمي هدى لأنه يهدي من استقام عليه إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال كما قال عز وجل:{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} وقال في أهله: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} وقال في أهله أيضا: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}وبهذا تعلم يا أخي معنى هذه الألفاظ “الإسلام”، “الإيمان”، “التقوى”، “الهدى”، “البر”، “العبادة”، إلى غير ذلك.

وتعلم أيضا أن هذا الدين الإسلامي قد جمع الخير كله فمن استقام عليه وحافظ عليه وأدى حقه وجاهد نفسه بذلك فهو متق لله وهو موعود بالجنة والكرامة وهو موعود بتفريج الكروب وتيسير الأمور وهو الموعود بغفران الذنوب وحط الخطايا وهو الموعود بالنصر والسلامة إذا استقام على دين الله وصبر عليه وجاهد نفسه لله وأدى حق الله وحق عباده فهذا هو المتقي وهو المؤمن، وهو البر، وهو المفلح، وهو المهتدي والصالح، وهو المتقي لله عز وجل، وهو المسلم الحق.

وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للتقوى وأن يأخذ بأيدينا جميعا لما يرضيه وأن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين ومن حزبه المفلحين، وأن يمن علينا بالاستقامة على تقواه في كل أقوالنا وأعمالنا والدعوة إلى ذلك والصبر عليه إنه سبحانه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

الرابط:http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=956

 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

الجمال ظاهر وباطن

الجمال ينقسم قسمين:

ظاهر وباطن

قال ابن قيم الجوزية في كتاب روضة المحبين:  

ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال

إعلم أن الجمال ينقسم قسمين ظاهر وباطن فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال فتكسوا صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل ولا سيما إذا رزق حظا من صلاة الليل فإنها تنور الوجه وتحسنه

وقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه

فصل وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها {يَزٍِِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} قالوا هو الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانهوقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر” قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر فقال: “لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس” فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة

فصل وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده يوجب شكرا فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه فكل من لم يتق الله عز وجل في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره 

يا حسن الوجه توق الخنا 

لا تبدلن الزين بالشين

كتاب روضة المحبين

(ص ( 221 ــ 222

الرابط:http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=1837

http://ia700401.us.archive.org/33/items/waq79719/79719.pdf

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام

قال ابن قيم الجوزية في كتاب عدة الصابرين

ص  52 ــ 53

في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام

كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه ان لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وان المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء: “العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر” كما قيل

وأن الأمر يفضى إلى آخر

فيصير آخره أولا

فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وان كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.

فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه اذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله وهذا أعظم اللؤم ولا يكون صاحبه كريما عند الله ولا يقوم مع أهل الكرم اذا نودى بهم يوم القيامة على رءوس الاشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون.

المصدر:http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=252

 

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

 

التفكر والتدبر في آيات الله

ورأس الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله حيث تستولي على الفكر وتشغل القلب فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه وجلس على كرسيه ، وصار له التصرف ، وصار هو الأمير المطاع أمره ، فحينئذ يستقيم له سيره ويتضح له الطريق وتراه ساكنا وهو يباري الريح { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون } .

فان قلت : إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه ، واكشف لي حجابه ، وكيف تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه ؟ وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا ، فهل في البيان غير ما ذكروه ؟

قلت : سأضرب لك أمثالاً تحتذي عليها وتجعلها إماماً لك في هذا المقصد ، قال الله تعالى : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً ، قال سلام قوم منكرون ، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ، فقربه إليهم قال إلا تأكلون ، فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ، فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ، قالوا : كذلك قال ربك انه هو الحكيم العليم } .

فعهدى بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام عليم ، وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك . ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك .

فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار .

وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم . . .

وكيف جمعت الضيافة وحقوقها . . .

وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة . . .

وكيف تضمنت علما عظيماً من أعلام النبوة . . .

وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة . . .

وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها ثم أفصحت وقوعه . . .

وكيف تضمنت الأخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة . . .

وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما . . .

وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الآخر . . .

وتضمنت انه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم المؤمنون بها . . .

وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات . . .

فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة : قال الله تعالى : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام ، وليس المراد بها حقيقة الاستفهام ، ولهذا قال بعض الناس : إن ( هل ) في مثل هذا الموضع بمعنى ( قد ) التي تقتضي التحقيق . ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر لطيف ، ومعنى بديع ، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به ، وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به ، فتارة يصدره بألا ، وتارة يصدره بهل ، فقول : هل علمت ما كان من كيت وكيت ؟ إما مذكرا به ، وإما واعظاً له مخوفا ، وإما منبها على عظمه ما يخبر به ، وإما مقرراً له ، فقوله تعالى : { هل أتاك حديث موسى } و { هل أتاك نبأ الخصم } و { هل أتاك حديث الغاشية } و { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته .

ففيه أمر آخر . وهو التنبيه على أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة فانه من الغيب الذي لا تعمله أنت ولا قومك فهل أتاك من غير أعلامنا وإرسالنا وتعريفنا ؟ أم لم يأتك إلا من قبلنا ؟

فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام ، وتأمل عظم موقعه من جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا . وقوله ضيف إبراهيم المكرمين متضمن لثنائه على خليله إبراهيم فإن في المكرمين قولين .

أحدهما : إكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف .

والثاني : انهم مكرمون عند الله كقوله تعالى : { بل عباد مكرمون } وهو متضمن أيضاً لتعظيم خليله ومدحه ، إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافاً له ، فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم . وقوله : { فقالوا سلاما قال سلام } متضمن بمدح آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به ، فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره : سلمنا عليك سلاماً . وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم ، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت تحية إبراهيم أكمل واحسن . ثم قال { قوم منكرون } وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح .

إحداهما : أنه حذف المبتدأ والتقدير : انتم قوم منكرون ، فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش . وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكرهه بل يقول : ” وما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا ” .

الثاني : قوله { قوم منكرون } فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم كما قال في موضع آخر ( نكرهم ) ولا ريب أن قوله ( منكرون ) ألطف من أن يقول أنكرتكم .

وقوله { فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال إلا تأكلون } متضمن وجوها من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف . منها قوله : { فراغ إلى أهله } والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف ، والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء ، وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ ، ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه فلفظة ( راغ ) تنفي هذين الأمرين . وفي قوله تعالى : { إلى أهله } مدح آخر لما فيه من الإشعار أن كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله ، وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه ، ولا يذهب إلى غير أهله إذ قرى الضيف حاصل عندهم .

وقوله : { فجاء بعجل سمين } يتضمن ثلاثة أنواع من المدح :

أحدها : خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه .

الثاني : انه جاءهم بحيوان تام لم ياتهم ببعضه . ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا .

الثالث : انه سمين ليس بهمزول ، وهذا من نفائس الأموال ، ولد البقر السمين فإنهم يعجبون به ، فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره . وقوله { إليهم } متضمن المدح وآداباً أخرى وهو إحضار الطعام إلى بين يدي الضيف ، بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه .

وقوله { ألا تأكلون } فيه مدح وآداب أخر ، فإنه عرض عليهم الأكل بقوله : { ألا تأكلون } وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول : : ضعوا أيديكم في الطعام ، كلوا ، تقدموا ، ونحو هذا .

وقوله : { فأوجس منهم خيفة } لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفاً أن يكون معهم شر ، فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه وأنس به ، فلما علموا منه ذلك قالوا : { لا تخف وبشروه بغلام عليم } وهذا الغلام اسحق لا إسماعيل ، لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت : عجوز عقيم ، لا يولد لمثلي ، فأنى لي بالولد ؟ وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر وكان بكره وأول ولده . وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } وهذه هي القصة نفسها .

وقوله تعالى : { فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها } فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها ، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار . وقوله : { عجوز عقيم } فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة ، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل أنا عجوز عقيم ، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره ، وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب .

وقوله تعالى { قالوا كذلك قال ربك } متضمن لاثبات صفة القول له . وقوله { إنه هو الحكيم العليم } متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر ، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته ، وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته .

والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال ، فالعلم يتضمن الحياة و لوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام ، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر ، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها ، ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب .

كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة ، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسُدى وباطلاً فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب والعقاب ، ولهذا كان اصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته .

ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك . وانه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى ، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه .

ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها ، كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة ، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس . وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفراً كبيراً لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشقاء والهدى وسرعة الإنصاف ، وحسن البيان ، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له ، الصدر ويكثر معه اليقين ، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل .

والمقصود : أن صدور الخلق والأمر عن علم الرب وحكمته . واختصت هذه القصة بذكر هذين الإسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين أبوين لا يولد لمثلهما عادة ، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد وكون الحكمة اقتضت جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الآية اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلال بموجب الحكمة .

ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط ، وإرسال الحجارة المسومة عليهم . وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عياناً في هذا العالم ، وهذا من اعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم .

ثم قال تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام ، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو ، إخراج نجاة من العذاب و لا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطناً .

وقوله تعالى : { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر ، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين ، وقد اخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط ، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم ، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهراً وليست من المؤمنين الناجيين .

ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد .

المصدر الرسالة التبوكية

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

 ********** 

أداب الكلام في الإسلام

1 ـ اختيار أجمل الكلام وأحسن الألفاظ أثناء مخاطبة الناس .

قال تعالى : { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } الحج:24

2 ـ تجنب الخوض في أحاديث لا يعلمها أو غير متأكد من صحتها أو لا يعلم عنها إلا الظن  .

قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } الحجرات:12

3 ـ لزوم قلة الكلام إلا إذا كان جواباً أو نصيحة.

قال تعالى : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } النساء:114

4 ـ تجنب اللغو والكلام الذي لا فائدة منه .

قال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* } المؤمنون:1-3

5 ـ خفض الصوت وعدم رفعه أكثر من الحاجة .

قال تعالى : { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } لقمان:19

6 ـ الابتسام أثناء الكلام مع الناس .

عن أبي الدر داء قال : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدث حديثاً إلا ابتسم”

7 ـ تجنب الحلف بمخلوق كالنبي والكعبة والملائكة والآباء والحياة والشرف .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت”

http://http://www.kalemtayeb.com/ind…ahat/item/9383

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

أحبَّ الخير للناس

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. 

أما بعد .. أحبتي في الله .. 

أسأل الله تعالى أن يغفر لنا خطايانا كلها ، دقها وجلها ، علانيتها وسرها ، ما علمنا منها وما لم نعلم ، اللهم ارزقنا حبك ،

وحب من يحبك ، وحب ما ينفعنا حبه عندك .

كيف حال أعمال القلوب ؟؟*

اليوم نخطو خطوة أخرى في أعمال القلوب ، وعملنا اليوم لا يقوم به إلا مسلم حسن إسلامه ، وفهم عن ربه ، فحسَّن الله خُلقه ،

 فعامل الناس بما يحب أن يعاملوا به .

شعارنا اليوم : أحب للنَّاس الخير .

روى الترمذي وحسنه الألباني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا 

وروى البخاري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” وفي رواية للنسائي ” من الخير ” .

وروى ابن حبان وصححه الألباني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يُحبَّ للنَّاس ما يُحبُّ لنفسه

الواجب العملي :

(1) تمنَّ الخير لكل الناس ، للعصاة بالهداية ، وللمبتدعة بطريق السنة ، وللمترددين الثبات ، وللزائغين الاستقامة ، اجعلها في دعائك ، ولا تفتر عنها بقية عمرك .

ذكر ابن خلكان في ” وفيات الأعيان ” أنَّ السري كان يقول : منذ ثلاثين سنة ، وأنا أستغفر من قولي مرة : الحمد لله ،

 فقيل له : وكيف ذلك ؟؟ فقال : وقع ببغداد حريق ، فاستقبلني واحد ، وقال : نجا حانوتك . فقلت : الحمد لله ،

 فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت ، حيث أردت لنفسي خيراً من الناس .

فأخرج من قلبك كل غل أو ضغينة ، أو إحساس بالعلو على أي مسلم أو مسلمة ، واستشعر أنك بهم لا بنفسك ،

فنحن أمة واحدة . نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين .

والله الموفق ان يهدينا لأحسن الأخلاق ، وأن يرزقنا حب الخير للناس ، وهو المستعان وعليه فليتوكل المتوكلون .

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة 

************

أعظم الخلق غروراً من اغتر بالدنيا وعاجلها، فآثرها على الآخرة

 

قال ابن قيم الجوزية في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص ( 38 ــ 41 )

فصل:

وأعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها، فآثرها على الآخرة ورضي بها من الآخرة، حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من النسيئة. ويقول بعضهم: ذرة منقودة، ولا ذرة موعودة، ويقول آخر منهم: لذات الدنيا متيقنة، ولذات الآخرة مشكوك فيها، ولا أدع اليقين بالشك.

وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله. والبهائم العجم أعقل من هؤلاء فإن البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولو ضربت، وهؤلاء يقدم أحدهم على عطبه وهو بين مصدق ومكذب

فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء فهو من أعظم الناس حسرة لأنه أقدم على علم وإن لم يؤمن بالله ورسوله فأبعد له.

وقول القائل: النقد خير من النسيئة، جوابه: إذا تساوى النقد والنسيئة فالنقد خير. وإن تفاوتا وكانت النسيئة أكثر وأفضل فهي خير. فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة؟ كما في مسند الإمام أحمد والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع؟ ” فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح

الجهل وإذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيما أولى بالعاقل؟ إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة، وحرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء صغير حقير منقطع عن قرب، ليأخذ ما لا قيمة له ولا خطر له ولا نهاية لعدده ولا غاية لأمده.

فأما قول الآخر: لا أترك متيقنا لمشكوك فيه فيقال له: إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك، فإن كنت على يقين من ذلك فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب لأمر متيقن لا شك فيه ولا انقطاع له وإن كنت على شك فراجع آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروه به عن الله وتجرَّد وقُم لله ناظرا أو مناظرا حتى يتبين لك ان ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك فيه وأن خالق هذا العالم ورب السموات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكه إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا لا يعلم شيئا ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعز من يشاء ولا يذل من يشاء ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها ولا يعتني بأحوال رعيته بل يتركهم سدى ويخليهم هملا وهذا يقدح في ملك آحاد ملوك البشر ولا يليق به فكيف يجوز نسبة الملك الحق المبين إليه؟

وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى كماله واستوائه تبين له أن من عنى به هذه العناية ونقله في هذه الأحوال وصرَّفه في هذه الأطوار لا يليق به أن يهمله ويتركه سدًى لا يأمره ولا ينهاه ولا يعرّفه حقوقه عليه ولا يثيبه ولا يعاقبه ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لايبصره  

 دليلا على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذاك في كتاب أيمان القرآن عند قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} وأن الإنسان دليل على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات صفات كماله

فقد بان أن المضيع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه وتقدير تكذيبه وشكه

فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم كرامة ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعيد له ولا يأخذ له أهبته

قيل: لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر الخلق فاجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء وهذا التخلف له عدة أسباب

أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين ومن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها

وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عيانا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبا شهادة

وقد روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ليس المخبر كالمعاين

 

فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الأمل ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل وإلف العوائد فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال حتى ينتهي على أدنى مثقال ذرة في القلب

وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين وجعلهم أئمة الدين فقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} 

الرابط:http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=311

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

************

الرجاء شيء والأماني شيء آخر

قال ابن قيم الجوزية في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 42

ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا رجاؤه ثلاثة أمور:

أحدها: محبته ما يرجوه

الثاني: خوفه من فواته

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان

وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء والأماني شيء آخر فكل راج خائف والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات.

http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=311

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********  

معنى قوله تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاحِهَا}

قال ابن قيم الجوزية:

وقوله تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاحِهَا} قال أكثر المفسرين: “لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} وقال عطية في الآية: “ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم”، وقال غير واحد من السلف: “إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم وتقول: اللهم العنهم فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر

وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والأتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعةفإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله.

ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلا وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله.

ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=283

 بدائع الفوائد 3 / 14 ــ 15

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

*********** 

لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت

قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: سمعت بلال بن سعد يقول: “لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت

وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.

المصدر (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي )ص 58  

إن كثيراً من الناس يتساهلون بصغائر الذنوب ويصرون عليها، وهذا خلاف شكر الله عز وجل، وعلى المسلم أن يأخذ حذره من سلوك الخاسرين. إن التساهل بصغائر الذنوب والمعاصي فضلاً عن كبائرها ضد شكر نعمة الله عز وجل، أما الكبائر فأمرها واضح، فلقد رتب عليها الحد في الدنيا أو الوعيد في الآخرة، أو رتب عليها عقوبة خاصة عياذاً بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، ومن أراد الوقوف على ما ورد في حقيقة الكبائر، وفي عددها وما رتب عليها، فعليه بكتاب: الزواجر عن اقتراف الكبائر، لـابن حجر الهيتمي رحمه الله. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذنوب كلها كبائر، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الذنوب قسمان: كبائر وصغائر، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، قال الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وقال سبحانه: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم .

فالذي بينهن هي الصغائر. فقد دلت هذه الأدلة وغيرها أن في الذنوب صغائر وهي المعبر عنها باللمم، وقد يعبر عنها بالسيئة، وسميت في الحديث بمحقرات الذنوب؛ وهي ما قل وصغر من الذنوب في أعين الناس، ولا يسلم منها أحد إلا من سلمه الله وعافاه، وروى الترمذي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).

ذكر بعض الصغائر التي يتساهل بها الناس

عباد الله! من الصغائر التي يتساهل بها الناس: النظر إلى النساء الأجنبيات والشباب المردان، سواء عن طريق مباشر كوجه لوجه، أو من وراء شق، أو عن طريق الصور الثابتة في المجلات ونحوها، أو الصور المتحركة في الأفلام والهواتف النقالة، وأجهزة الاتصال الأخرى. ولقد أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بالغض من أبصارهم؛ ذلك لأن النظر هو المدخل الأساسي لتسرب الشهوة إلى النفس وطغيانها، وإفساد القلب، فالغض من البصر يساعد على العفة وحفظ الفرج، وهو شكر لله عز وجل على نعمه، قال الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:30-31]. سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل ترك المعاصي وتاب منها وقال: لو ضرب بالسياط ما دخل في معصية أبداً، غير أنه لا يدع النظر، فقال: أي توبة هذه؟! فالنظرة سبب للفتنة وإشغال القلب، فاتق الله يا عبد الله! وراقب الله فإنه مطلع عليك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قيل لبعض السلف: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى من نظرت إليه. ولقد كان الربيع بن خثيم رحمه الله من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن الناس أنه أعمى، ولقد طرق الباب يوماً على صاحب له فخرجت الجارية، ثم رجعت إلى سيدها وقالت: إن بالباب صاحبك الأعمى.

ومر يوماً على عصبة من النساء، فقالت واحدة منهن: انظرن إلى هذا الأعمى كفانا الله شر العمى، وليس بأعمى، ولكنه عمي عن الفتنة والباطل، وامتثل قول الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] وشكر الله عز وجل على نعمه. عباد الله! ومن صغائر الذنوب: الخلوة والاختلاط بالنساء الأجنبيات، كما يحصل في المحلات التجارية التي تحتوي على ملابس النساء والأطفال، أو بين الخدم والسائقين في البيت، أو بين الخدم وأهل البيت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم. وفي صحيح البخاري: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم). ومن الصغائر: السب دون القذف كالتنابز بالألقاب، ومنها أيضاً: الإشراف على بيوت الناس والتطلع على أحوالهم وأخبارهم.

ومنها: هجر المسلم فوق ثلاث.

ومنها: الأكل بالشمال، وغير ذلك مما لا يترتب عليه عقوبة خاصة.

التحذير من التساهل بصغائر الذنوب

عباد الله! لا يعني كون هذه الذنوب صغائر أنها سهلة وهينة، كلا، بل إن المعاصي كلها سبب للضلال والعقوبة، قال الله عز وجل: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23]. قال بلال بن سعد رحمه الله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة أو المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابنه الحسن : يا بني! احذر من أن يراك الله عند معصية، ويفقدك عند طاعة؛ فتكون من الخاسرين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما انضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه). وروى أنس رضي الله عنه قال: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات) رواه مسلم في صحيحه.

يعني بذلك: المهلكات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا أذنب نكتت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه) رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، يأخذون من الليل ما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. فهذه الذنوب وإن كانت صغائر كلها من ضد شكر نعمة الله عز وجل، ومن شكره سبحانه أن يتوب المسلم وأن يقلع عن هذه الذنوب صغيرها وكبيرها، فبذلك تستتم الزيادة وتحصل البركة. .

إن للذنوب والمعاصي آثاراً سيئة، وعقوبات في الدنيا والآخرة، جمعها ابن القيم رحمه الله في كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. فمما ذكره رحمه الله: أن المعاصي توهن القلب والبدن، وتسبب محق البركات ونقص الخيرات في العلم والعمل والمال والأهل.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان تعلمه؛ للخطيئة يعملها. كما أن الذنوب تورث الذلة لصاحبها، قال سليمان التيمي رحمه الله: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته، ذكره ابن الجوزي رحمه الله في كتابه: صفوة الصفوة. ومن ذلك: أنها تسبب حلول النقم وزوال النعم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب، ولا حلت به نقمة إلا بسبب بذنب، قال عمر رضي الله عنه: لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة. إن علينا عباد الله! أن نشكر الله عز وجل على هذه النعم؛ نعم المطر والخيرات والبركات، فإن المطر رحمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غيمت السماء عرف ذلك في وجهه، فإذا مطر فرح واستر، وقال: (إن المطر رحمة). إن التساهل بالمعاصي ولو كانت صغيرة سبب لمحق البركات، وموجب لسخط الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: ( إياكم والمعصية، فإن بالمعصية حل سخط الله عز وجل ). ولو لم يكن في ترك المعصية إلا حصول العافية، ومحبة الله تعالى لكان جديراً بالمؤمن والمؤمنة أن يفرح بترك المعاصي، قال شفي بن ماتع الأصبحي رحمه الله: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وقال محمد بن كعب رحمه الله تعالى: ما عبد الله بشيء أحب إليه من ترك المعاصي، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) خرجاه في الصحيحين، فأتى بالاستطاعة في جانب المأمورات، ولم يأت بها في جانب المنهيات، إشارة إلى عظيم خطرها وقبيح وقعها، وأنه يجب على المسلم أن يتباعد عنها مطلقاً، بخلاف المأمور فإنه يفعله ما استطاع. ولنعلم أن أعظم زاجر عن الذنوب هو الخوف والخشية من الله علام الغيوب. سئل سعيد بن جبير رحمه الله عن الخشية؟ فقال: أن تخشى الله تعالى حتى تحول خشيته بينك وبين معاصيه. وقال مكحول : أرق الناس قلوباً أقلهم ذنوباً.

من رحمة الله بنا وفضله علينا أن جعل لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب أسباباً؛ من ذلك اجتناب الكبائر مع فعل الطاعات، كالصلوات وسائر الحسنات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم. وفي سنن الترمذي بإسناد حسن من حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها). وقال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]. ومن المكفرات: القرض والصدقات، قال تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17]، وقال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271]. ومن أسباب المغفرة: الاستغفار مع عدم الإصرار، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135]. إن علينا معاشر المسلمين! أن نبادر إلى تنظيف قلوبنا بالشكر والتوبة والاستغفار؛ شكراً لله عز وجل على ما أنعم به علينا، وأن نحفظ جوارحنا من أدران الذنوب والإصرار؛ لنحظى بطعم الإيمان ولذة العبادة والبركة فيما أصاب. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وسائر الأمراض، وطهر جوارحنا من الرياء وسائر المعاصي، اللهم طهر أعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى. اللهم أعطنا من الخير فوق ما نرجو، واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر، يا لطيف يا خبير. اللهم إنا نسألك حسن العمل، وحسن الخاتمة. اللهم اجعلنا من الذين يجزون أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وأخص منهم الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن بقية صحابة نبيك أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر من نصر الدين، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين. اللهم فك أسر المأسورين، اللهم ردهم إلى بلادهم وأهليهم سالمين غانمين، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

*******

لايزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة

 تؤزه إليها أزا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليه

 

قال الإمام ابن القيّم عليه رحمة اللّه في ( كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي – الداء والدواء)  :

 

وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله :

فمنها:

حرمان العلم فإن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفىء ذلك النور ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية

وقال الشافعي رحمه الله:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بان العلم فضل وفضل الله لايؤتاه عاصي

ومنها: حرمان الرزق وفي المسند “إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه” . 

ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لايوازنها ولايقارنها لذة أصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة وما لجرح بميت إيلام فلو لم تترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها . 

ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم فإنه يجد وحشة بينه وبينهم وكلما قويت تلك الوحشة بَعُد منهم ومن مجالستهم وحرم بركة الانتفاع بهم وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشا من نفسه

وقال بعض السلف إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي .

ومنها: تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا فمن عطل التقوى جعل الله له من أمره عسرا ويالله العجب ! كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه وهو لايعلم من أين أتى؟ . 

ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم ادلهَمّ فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادا فيه حتى يراه كل أحد قال عبد الله بن عباس: “إن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق” . 

ومنها: أن المعاصي توهن القلب والبدن أما وهنها للقلب فأمر ظاهر بل لاتزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية

وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته في قلبه وكلما قوى قلبه قوى بدنه وأما الفاجر فإنه وإن كان قوى البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه . 

ومنها: حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله وتقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها .

ومنها: أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولابد فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصر العمر وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته . 

ومنها : أن المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، لايزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها ولايزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزه إليها أزا فالأول قوى جند الطاعة بالمدد فصاروا من أكبر أعوانه وهذا قوى جند المعصية بالمدد فكانوا أعوانا عليه.

ومنها : وهو من أخوفها على العبد أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية فلو مات نصفه لما تاب إلى الله فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متى أمكنه وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك .

ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه وهو عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها .

ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه قال الحسن البصري: هانوا عليه فصعوه ولو عزوا عليه لعصمهم وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من شرهم فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه .

ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ا} أي فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله وكان من دعاء بعض السلف: “اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك

قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه , وقال عبد الله بن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟ 

ومنها: أن المعاصي تفسد العقل فإن للعقل نورا والمعصية تطفيء نور العقل ولابد وإدا طفئ نوره ضعف ونقص .

ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهوى والزروع والثمار والمساكن قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم “والفساد” فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ثم قرأ {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر .

ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد وأشرف الناس وأعلاهم وهمة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس .

ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظمه الناس وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق .

ومن عقوباتها: أنها تستدعى نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه وهناك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 

ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة” وقد قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}

ولقد أحسن القائل:

إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم

وخطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم

وسافر بقلبك بين الورى لتبصر آثار من قد ظلم

فتلك مساكنهم بعدهم شهود عليهم ولاتتهم

وما كان شيء عليهم أضر من الظلم وهو الذي قد قصم

فكم تركوا من جنان ومن قصور وأخرى عليهم أطم

صلوا بالجحيم وفات النعيم وكان الذي نالهم كالحلم

ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا تراه إلا خائفا مرعوبا فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا ومن عصاه انقلبت مأمنه مخاوف .

ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهداية وقد قال مالك للشافعي رحمهما الله تعالى لما اجتمع به ورأى تلك المخايل :إني أرى الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمه المعصية .

ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل وبركة الطاعة.

وبالجملة تمحق بركة الدين والدنيا فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} وقال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********

الصراط المستقيم

قال ابن قيم الجوزية في كتاب بدائع الفوائد

ما هو الصراط المستقيم فنذكر فيه قولا وجيزا فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول وهذا معنى قول بعض العارفين: “إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته” وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهادي ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها وهي معنى قول من قال علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا علما وعملا ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس وقول من قال: حب أبي بكر وعمر وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم والله أعلم.

http://ia600800.us.archive.org/9/items/waq27182/27182.pdf

 http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=283

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********

قال ابن تيمية – رحمه الله – : “العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.”

إن المتأمل في الكون بدقة فهم وبنظر ثاقب،يجد أن الدنيا لا تدوم على حال ،فإن سرتك يوما ساءتك أعواما ً،والعبرة في أحوال الأفراد والجماعات والدول والأمم بكمال النهايات لا بنقص البدايات ، وتلك وربي قاعدة فريدة نص عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: (العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية)،(منهاج السنة،ج8،ص412).

فإن العبد قد يتعرض للنقص في بداياته ، وأقصد بالنقص –  مطلق النقص الديني والدنيوي .. فقد يسرف العبد على نفسه في المعاصي والشهوات، ويتعلق قلبه بالطين.. وكلما أراد الانطلاق من أصار المعاصي أثر فيه نقص البداية، فإذا به ينظر أسفل قدمه لا يراوح مكانه، فكلما هم بالانسلاخ من الوحل، تذكر البدايات فضعفت همته وتراخت عزيمته.

وأما القوي الفتي فلا يتوقف كثيراً عند البدايات الناقصة ، إلا بقدر ما يدفع عزمه للسمو والارتقاء في عالم الفضيلة ، والوصول إلى كمال النهايات .

ولو توقف قاتل التسعة والتسعين نفسا ً عند نقص البداية لأصيب باليأس والقنوط، وما استطاع أن يتخلص من ذل المعصية، لكن دفعه حبه لكمال النهاية إلى البحث عن عالم يجد له مخرجا ً من أعظم الجرائم وهو قتل النفس بغير الحق.

ويكفي قول الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) المائدة:32

ومع ذلك اجتهد للوصول إلى كمال النهاية، فكان جزاؤه أن تلقته ملائكة الرحمة، وتمت سعادته بكمال النهاية.

ومن أعظم القصص التي تتضح فيها تلك القاعدة.. قصة يوسف عليه السلام، فانظر إلى حال إخوة يوسف وما جرى منهم تجاه يوسف وأبيهم.

فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ، وإذا سمح العبد عن حقه ، فالله خير الراحمين.

ولهذا – في أصح الأقوال – أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ } وهم أولاد يعقوب الإثنا عشر وذريتهم .

ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء .. فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة .

ولو تأملت في حال يوسف عليه السلام ، تجد عجباً، فإنك تقرأ في أول القصة ما رآه يوسف من سجود الكواكب والشمس والقمر له ، مما أهلنا لرؤية تحقق هذا الموعود ، ولكنك تفاجئ ببلاء يتبعه بلاء، فيحقد عليه إخوته ويلقون به في الجب ،ويباع بثمن بخس دراهم معدودة،وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم ، ثم يصبح عبداً، وما أصعب الرق على الأحرار،ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتعرض لفتنة امرأة العزيز ويثبته الله ، فتمكر به فيسجن ، ويا ليته كان شهراً أو شهرين ،بل بضع سنين،وما أدراك ما مرارة السجن ، ولا ينبئك مثل خبير، فقد جربناه سنين طوال، ذقنا فيه من المصاعب والآلام، ما لا يعلمه إلا الله، ومع كل ذلك تحطمت كل الصعاب على قوة إيمان يوسف، وثقته بربه ، وإيمانه بأن العبرة بالخواتيم ، أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب.

– كل هذه المعاني عاشها أبناء الجماعة الإسلامية كما عاشها يوسف عليه السلام، بل واستغلوا السجن في الدعوة والتعلم والتحصيل، كما فعل يوسف في سجنه.. فقد روي أنه أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف ، ووالله لقد هدى الله على أيدي أبناء الجماعة الإسلامية في السجون الكثير من أصحاب الأفكار المخالفة لمنهج أهل السنة ، بل الكثير من القائمين على سجننا ، فأكرم الله الجماعة الإسلامية بالفرج والخروج العزيز الكريم، كما حدث ليوسف، فقد رفض الخروج المهين ،وصمم على ظهور براءته قبل خروجه، ومن هنا بدأ كمال النهاية،فخروج في عزة .. ثم:” اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم” .. ثم جمع شمله بأبيه، وتمكنه من إخوته، وعفوه عند القدرة وتلك شيمة الكرماء .. ثم صبا يوسف إلى كمال النهاية الحقيقي داعيا ربه :”رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي فى الدنيا والآخرة توفني مسلما ً وألحقني بالصالحين” يوسف 101.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

 *******

ما من شيءٍ أحق بطول السجن من اللسان

عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: ما من شيء أحقُّ بالسجن من اللسان. وقال غيرُه: مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقه عَدَا عليك.

 

** عن عبد الله أنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم–  يقول : أكثر خطايا بن آدم في لسانه…. ” أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب بسند حسن..وقال العراقى فى تعليقه على الاحياء حديث حسن.

* ورواه ابن المبارك عن خالد بن عمران مرسلا بلفظ رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم.

**وعن الحسن البصري قال “كانوا يقولون”إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه” رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق.

**وعن ثوبان قال:

لما نزلت: {والذين يكنزون الذهب والفضة} قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة لو علمنا أي المال خير فنتخذه. فقال: أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على ايمانه”. الترمذى وقال هذا حديث حسن.

*قال النووى فى الأذكار:

اعلم أنه لكلّ مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسنّة الإِمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلُها شيء.

قال اللّه تعالى: {وما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] وقال اللّه تعالى: {إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ} الفجر:14.

*في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه

عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: “مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ”. قلت: فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي رحمه اللّه: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر.

*وفي صحيحيهما أيضا:

عن أبي موسى الأشعري قال: قلتُ يا رسولُ اللّه، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: “مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ“.

*وفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه،

عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: “مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ“.

*وفي صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أنه سمع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول: “إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ” وفي رواية البخاري: “أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ” من غير ذكر المغرب، ومعنى يتبين: يتفكر في أنها خير أم لا.

*وفى الترمذى عن أبي هريرة قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “مَنْ وَقاهُ اللّه تَعالى شَرَّ ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ” قال الترمذي: حديث حسن.

*وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: “إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالاً يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ” قلت: كذا في أصول البخاري “يَرْفَعُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ”: أي درجاته، أو يكون تقديره: يرفعه.

*وفي موطأ الإِمام مالك وكتابي الترمذي وابن ماجه،

عن بلال بن الحارث المزني رضي اللّه عنه؛

أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: “إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما كَانَ يَظُن أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ” قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

*وفي كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه،

عن سفيان بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: قلت: يا رسول اللّه! حدّثني بأمر أعتصم به، قال: “قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ” قلت: يا رسول اللّه! ما أخوف ما يخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: “هَذَا”. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

*وفى الترمذى عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال:

قلتُ يا رسولَ اللّه، ما النجاة؟ قال: “أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ” قال الترمذي: حديث حسن.

*وفيه أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: “إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتقِ اللَّهَ فِينا فإنما نَحْنُ مِنْكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا“.

*وفي كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أُمِّ حبيبة رضي اللّه عنها،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: “كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إِلاَّ أمْراً بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْراً للّه تَعالى“.

*وفي كتاب الترمذي،

عن معاذ رضي اللّه عنه قال فى حديث طويل وفيه:أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ألا أُخْبِرُكَ برأسِ الأمْرِ وَعمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنامِهِ؟ قلت: بلى يا رسول اللّه! قال: رأسُ الأمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهادُ، ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّهُ؟ قلت: بلى يا رسول اللّه! فأخذ بلسانه ثم قال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، قلت: يا رسول اللّه! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟” قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

*و في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: “منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ” حديث حسن.

 

وفى الأثر:

*وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: ما من شيء أحقُّ بالسجن من اللسان. وقال غيرُه: مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقه عَدَا عليك.

*ويروى أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةُ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.

*وعن أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض رضي اللّه عنه قال: مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه.

*وقال الإِمامُ الشافعيُّ رحمه اللّه لصاحبه الرَّبِيع: يا ربيعُ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها.

أحسن لباس العبد

قال منصور بن عمار:” أحسن لباس العبد التواضع والانكسار وأحسن لباس العارفين التقوى

 قال الله تعالى: ” ولباس التقوى ذلك خير ” سورة الأعراف 60

تاريخ دمشق لابن عساكر:60/328

 

التواضع من القرآن

قال الله تعالى : “وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا “

[الفرقان : 63]

 قال ابن القيم: (أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين قال الحسن: علماء حلماء وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا والهون بالفتح في اللغة: الرفق واللين و الهون بالضم : الهوان فالمفتوح منه : صفة أهل الإيمان والمضموم صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران)

وقال تعالى مخاطباً رسوله ممتناً عليه وعلى المؤمنين فيما أَلان به قلبه على أمته المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” [آل عمران: 159])  .

كما أمره الله سبحانه وتعالى أن يلين جانبه للمؤمنين وأن يتواضع لهم فقال:وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: 88]

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم)  .

وقال عز من قائل:وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215]

ووصف الله سبحانه وتعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم(يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين)  حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة : 54 ]

وقال ابن كثير:(هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]

وقال ابن القيم: (لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول فالمؤمن ذلول كما في الحديث : المؤمن كالجمل الذلول والمنافق والفاسق ذليل ) .

وقوله تعالى: “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ” [الإسراء: 24]

حيث أمر الله بالتواضع – للوالدين- ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر  .

وقال سبحانه: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83]

قال ابن كثير: (يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ، أي: ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم، ولا فسادًا فيهم)  .

التواضع من السنة

رغب الإسلام في التواضع وحث عليه ابتغاء مرضات الله، وأن من تواضع جازاه الله على تواضعه بالرفعة، وقد وردت نصوص من السنة النبوية تدل على ذلك:

منها قوله صلى الله عليه وسلم: “ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”

قال القاضي عياض في قوله صلى الله عليه وسلم “وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”  :  (فيه وجهان:أحدهما : أن الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له ، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزة .

والثاني : أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه)  .

وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد”  .

قال ابن عثيمين: (يعني: أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه، بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف رحمهم الله، أن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه ومن هو أكبر مثل أبيه ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى ما هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله عز وجل ولإخوانه من المسلمين)  .

وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: “ما من امرئ إلا وفي رأسه حكمة والحكمة بيد ملك إن تواضع قيل للملك: ارفع الحكمة، وإن أراد أن يرفع قيل للملك: ضع الحكمة أو حكمته”

وعن معاذ بن أنس الجهني- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: “من ترك اللّباس تواضعا للّه، وهو يقدر عليه دعاه اللّه يوم القيامة على رءوس الخلائق حتّى يخيّره من أيّ حلل الإيمان شاء يلبسها”

قال ابن عثيمين: (وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلا تنكسر قلوبهم، ولئلا يفخر عليهم، فإنه ينال هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرمة، فإن الأفضل أن يلبس مثلهم لأن الله تعالى جميل يحب الجمال ولاشك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال يلبسون الثياب الجميلة ولبس دونهم فإن هذا يعد لباس شهرة فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال)  .

وعن حارثة بن وهب رضي اللّه عنه أنه سمع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: “ألا أخبركم بأهل الجنّة؟ قالوا: بلى. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: كل ضعيف متضعّف لو أقسم على اللّه لأبره. ثم قال:ألا أخبركم بأهل النّار؟ قالوا: بلى. قال: كل عتل جواظ مستكبر”

قال القاضي عياض: (وقوله : في أهل الجنة : كل ضعيف متضعف … هو صفة نفي الكبرياء والجبروت التي هي صفة أهل النار ، ومدح التواضع والخمول والتذلل لله عز وجل وحض عليه)  .

عن أبي الدّرداء رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: “ابغوني في ضعفائكم، فإنّما ترزقون وتنصرون بضعفائكم”

قال الطيبي في معنى الحديث: (وفيه نهي عن مخالطة الأغنياء وتحذير من التكبر على الفقراء والمحافظة على جبر خواطرهم ، ولهذا قال لقمان لابنه : لا تحقرن أحدا لخلقان ثيابه فإن ربك وربه واحد.

وقال ابن معاذ : (حبك الفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامات الصالحين وفرارك منهم من علامات المنافقين).  .

التواضع في القرآن والحديث

>الآيات الواردة في معنى التواضع:

(1) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ {159}

(2) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {54}

(3) لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ {88}

(4) وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً {37}

(5) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً {63}

(6) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {215}

(7) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {18}

الأحاديث الواردة في التواضع

(1) عن ركب المصري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن تواضع في غير منقصة [ أي: معصية ]، وذل عن نفسه من غير مسألة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. وطوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، وطوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله). رواه الطبراني والمنذري في الترغيب والترهيب.

(2) عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا) الحديث، وفيه: (وإن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد). رواه مسلم.

(3) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرئ إلا وفي رأسه حَكَمة [الحكمة: بفتحات: حديد في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه عن مخالفة راكبه ]، والحَكَمة بيد مَلَك إن تواضع قيل لملك: (ارفع الحكمة، وإن أراد أن يرفع قيل لملك: ضع الحكمة أو حكمته). رواه الهيثمي في مجمع الزوائد والبزار وإسناده حسن، والمنذري في الترغيب والترهيب وحسنه الألباني.

(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). رواه مسلم.

(5) عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك اللباس تواضعاً لله، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها). رواه أحمد في المسند والترمذي وحسنه الألباني.

(6) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك إن حُجْزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت نبياً عبداً، وإن شئت نبياً ملكاً. فنظرت إلى جبريل عليه السلام. فأشار إليّ أن ضع نفسك، فقلت: نبياً عبداً) الحديث رواه البغوي في شرح السنة وهو صحيح. حجزته: الحجزة في الأصل موضع شد الإزار، ثم قيل للإزار حجزة للمجاورة، يقال: احتجز الرجل بالإزار إذا شده على وسطه.

(7) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا أعلمه إلا رفعه قال: يقول الله تبارك وتعالى: (من تواضع لي هكذا، (وجعل يزيد باطن كفه إلى الأرض وأدناها) رفعته هكذا، (وجعل باطن كفيه إلى السماء ورفعهما نحو السماء)). رواه الهيثمي في مجمع الزوائد والمنذري في الترغيب والترهيب وصححاه.

(8) عن أبي الرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ابغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم). رواه الترمذي وصححه والحاكم ووافقه الذهبي.

(9) عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة ؟) قالوا: بلى. قال صلى الله عليه وسلم: (كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره) ثم قال: (ألا أخبركم بأهل النار؟) قالوا: بلى. قال: (كل عتل جواظ مستكبر). رواه البخاري ومسلم. العتل: الجافي الشديد الخصومة، وقيل: الفظ الغليظ. الجواظ: الضخم المختال في مشيته.

(10) عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان؛ فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإن لا يدري في أي طعامه تكون البركة). رواه مسلم. فليمط: فليُزل. الأذى: المستقذر من غبار وتراب ونحوه.

(11) عن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البذاذة من الإيمان)، وفي لفظ لأبي داود: ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً عنده الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تسمعون، ألا تسمعون، إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان، يعني التقحل). رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني. قال البذاذة: القضافة يعني التقشف. وهي رثاثة الهيئة وترك الزينة، والمراد التواضع في اللباس وترك التبجح به. والتقحل: سوء الحال.

(12) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في حراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع). رواه البخاري. تعس: أي انكب وعثر، ومعناه الدعاء عليه. انتكس: انقلب على رأسه. إذا شيك فلا انتقش: أي إذا أصابته شوكة لا يستطيع إخراجها. طوبى: شجرة في الجنة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره). رواه مسلم. أشعث: الأشعث الملبد الشعر المغبر. مدفوع بالأبواب: لا قدر له عند الناس. لو أقسم على الله لأبره: أي لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله أكراماً له بإجابة سؤاله. وهذا لعظم منزلته عند الله.

(13) عن سراقة بن مالك بن جعشم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا سراقة ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟) قلت: بلى يا رسول الله. قال (أما أهل النار فكل جعظري جواظٍ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون). رواه المنذري في الترغيب والترهيب، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. الجعظري: الفظ الغليظ المتكبر. الجواظ: المختال في مشيته.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

 

 **********

“صلاة الفجر امتحان نخوضه كل صباح

فينجح كل من قام من فراشه ليصلي مع الجماعة.

وخاب بالخسران من التحف فراشه وتكاسل عنها.”

أحاديث عن صلاة الفجر

1-    صلاة الفجر تعدل قيام ليلة كاملة

وثواب قيام ليلة:

 قال صلى الله عليه وسلم

“من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل

ومن صلى الصبح

في جماعة فكأنما قام الليل كله ” أخرجه مسلم

2-  الحفظ في ذمة الله لمن صلى الفجر . فعن أبو ذر رضي الله عنه قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

“من صلى الصبح فهو في ذمة الله” رواه مسلم

3-  صلاة الفجر جماعة نور يوم القيامة: قال صلى الله عليه وسلم :

“بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة “

رواه الترمذي وا بن ماجه

4-  دخول الجنة لمن يصلي الفجر في جماعة : قال صلى الله عليه وسلم :

“من صلى البردين دخل الجنة ” والبردين هما الفجر والعصر

وقال صلى الله عليه وسلم

“لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها”

5- تقرير مشرف يرفع لرب السماء عنك يا من تصلي الفجر جماعة .

قال النبي صلى الله عليه وسلم :

“يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في

صلاة الصبح والعصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم كيف

وجدتم عبادي فيقولون تركناهم وهو يصلون وأتيناهم وهم يصلون “

فيا عبد الله يا من تحافظ على صلاة الفجر سيرفع اسمك

إلى الملك جل وعلا ألا يكفيك فخرا وشرفا !!!؟؟

6- قال صلى الله عليه وسلم :

“ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها “

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

**********

كلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية

قال ابن تيمية في رسالة العبودية:” فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه.”

كلما ازداد القلب حبا لله ازداد عبودية له وحرية عما سواه

إذا تبين هذا فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية وحرية عما سواه وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه

والقلب فقير بالذل إلى الله من جهتين : من جهة العبادة والعلة الغائية ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلية فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا سير ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه والإنابة إليه ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتى إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة

وهذا لا يحصل إلا باعانة الله له لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائما مفتقر إلى حقيقة { إياك نعبد وإياك نستعين } فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادة الله بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له بالقصد الأول وكل ما سواه فإنه يحبه لأجله لا يحب شيئا لذاته إلا الله فمتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة ( لا إله إلا الله ) ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة وكان فيه من النقص والعيب بل ومن الآلام والحسرة والعذاب بحسب ذلك ولو سعى في هذا المطلوب فلم يكن مستعينا بالله متوكلا على الله مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه فهو إلهه لا إله له غيره وهو ربه لا رب له سواه ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين فمتى كان محبا لغير الله لذاته أو ملتفتا إلى غير الله أنه يعينه كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه إياه وإذا لم يحب لذاته إلا الله وكل ما أحبه سواه فإنما أحبه له ولم يرج قط شيئا إلا الله وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها كان شاهدا أن الله هو الذى خلقها وقدرها وأن كل من في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه وهو فقير إليه كان قد حصل من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك

والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصى طرقها إلا الله فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه.

حقيقة مذهب السلف في الإيمان بالقدر، والنصوص الدالة عليها

ج1:

شرح العقيدة الطحاوية، لصالح آل الشيخ.

المسألة الأولى:

القَدَرْ يمكن أن يُعرَّف بأنه: تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، وعلمه الأوّل بكل شيء، وكتابته لذلك -يعني: للمقادير- في اللوح المحفوظ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعموم خلق الله للأشياء كلها.

هذا لا ينطبق عليه حد التعاريف عند أهل التعاريف؛ لكن هذا يعُم ويَضُم كل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة.

المسألة الثانية:

الإيمان بالقدر إيمانٌ بما دَلَّ القرآن والسنة عليه مما يتصل بالقدر، وذلك إيمانٌ بأربع مراتب:

– المرتبة الأولى: العلم.

– المرتبة الثانية: الكتابة.

– المرتبة الثالثة: عموم المشيئة.

– المرتبة الرابعة: خلق الله -عز وجل- للأشياء كلها.

أما المرتبة الأولى العلم: فأدلتها كثيرة ذكرنا لكم بعضًا منها.

المرتبة الثانية الكتابة: الكتابة ثَمَّ أدلة كثيرة عليها منها قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}، وفي قوله تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ}، ودلّ عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)).

ومعنى الكتابة أنّ الله سبحانه كَتَبَ كلَّ شيء في اللوح المحفوظ، سواء ما يتعلق بالمكلفين أو ما يتعلق بغير المكلَّفين وذلك لعموم قوله {إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} يعني: ما في السماء والأرض.

والكتابة هذه المقصود بها الكتابة في اللوح المحفوظ؛ كتابة مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ.

ومن هذه الكتابة ثَمَّ أنواع من الكتابة تفصيلية لها: منها الكتابة العُمْرية، والكتابة السنوية، والكتابة اليومية، وأشباه ذلك مما دلت عليه الأدلة في القرآن والسنة.

المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة: ويُعْنَى بها أنَّ ما شاء الله -عز وجل- كان، لا تُرَدُّ مشيئة الله -عز وجل- وأنَّ الذي لا يشاؤه الله سبحانه ولو شاءه العبد ورَغِبَ فيه فإنه لا يقع، ودليلها قوله سبحانه {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}، وقوله سبحانه {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

والمشيئة مرتبطة بالكون؛ يعني: أنَّ المشيئة كونية، فإذا شاء الله أن يقع هذا الشيء في هذا الوقت على هذه الصفة فإنّه يقع على ما شاءه الله -عز وجل- وأراده كونًا.

والمشيئة تساوي الإرادة الكونية.

ولهذا يُبْحَثْ هنا في مرتبة المشيئة الفرق ما بين المشيئة والإرادة:

وأهل السنة على أنّ مشيئة الله -عز وجل- هي إرادته الكونية، وأنّ الإرادة منقسمة إلى: إرادة شرعية دينية وإلى إرادة كونية، وأنَّ الله سبحانه قد يشاء الشيء كونًا؛ يعني: يريده كونًا فيقع ولا يريده دينًا وشريعة.

فيجتمع إذًا في بعض الحالات إرادة وعدم إرادة، فيكون الفعل المعيّن مُرَاد وغير مُرَاد؛ شاءه الله فوقع وأراده فوقع؛ ولكن لم يُرِدْهُ سبحانه دينًا وشريعة، وهذا فيما يَكرهه الله ولا يرضاه دينًا مثل كفر الكافر، معصية العاصي، ضلال الضال إلى آخره.

فإنّ الله سبحانه شاء الكفر من الكافر؛ لأنّه ما دام وَقَعَ فإنه قد شاءه وأراده كونًا؛ لأنه لا يحصل في ملكوته إلا ما أراده -عز وجل- كونًا؛ ولكن لم يرضه لم يُرِدْهُ دينًا؛ لأنَّ الله نهى في كتابه وعلى ألسنة رسله عن الكفر والفساد، وبيَّن أنه لا يرضى ذلك ولا يحبه، كما قال: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، وقال: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}.

وهذه هي المسألة المعروفة لدى كثير منكم بالفرق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي لها مزيد بيان عند ذكر الرد على المخالفين في القدر إن شاء الله تعالى.

المرتبة الرّابعة مرتبة عموم خلق الله -عز وجل- للأشياء: وأنَّ الله سبحانه خالق كل شيء، وأنَّ طاعة المطيع خَلَقَهَا الله، ومعصية العاصي خَلَقَهَا الله، وأنَّ صلاة المصلي خَلَقَهَا الله كما خلق ذاته؛ يعني: ذات المصلي فإنه يخلق أعمالهم.

وهذه يُسْتَدَلُّ لها بقول الله سبحانه {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}، وبنحو قوله سبحانه {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}، ونحو ذلك من الآيات.

وفي خصوص عموم خلق الله للعمل يُستدل بقوله سبحانه وتعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، وفي هذه الآية دليل على أنَّ عمل العامل خَلَقَهُ الله. وذلك أنَّ كلمة {مَا} في الآية {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} فيها وجهان:

الوجه الأول: أنها مصدرية بمعنى أنّها تُقَدَّرْ مع ما بَعْدَهَا بمصدر؛ يعني يكون سبك الآية والله خلقكم وعملكم، وهذا الوجه هو? الأصح فيها.

الوجه الثاني: أنَّ {مَا} هنا موصولة بمعنى الذي فيكون المعنى والله خلقكم والذي تعملونه.

وهي على كلٍ من الوجهين دالة على المراد في عموم خلق الله -عز وجل- للعبد.

ووضوح الدليل الأول يعني في كونها مصدرية، وقد يكون ثَمَّ بعض الاعتراض على الاستدلال بالوجه الثاني.

الأمر بمخالفة الشياطين

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( الأمر بمخالفة الشياطين

مما يشبه الأمر بمخالفة الكفار: الأمر بمخالفة الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها “.

وفي لفظ: ” إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله “. ورواه مسلم أيضاً عن الليث عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال “. فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال: بأن الشيطان يفعل ذلك، فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره كثيرة.

الأمر بمخالفة من لم يكمل دينه كالأعراب

وقريب من هذا، مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم، لأن كمال الدين: الهجرة، فكان من آمن ولم يهاجر – من الأعراب ونحوهم – ناقصاً، قال الله سبحانه وتعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}.

المصدر: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 407

الرابط: http://raqamiya.mediu.edu.my/BookRead.aspx?ID=331

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********

 

آداب طالب العلم

على طالب العلم أن يراعي جملة من الأمور يتحلى بها في سلوكه سبيل العلم ومن بينها:

أولاً: حسن النية في طلب العلم: بأن يقصد به وجه الله – تعالى – والعمل به وإحياء الشريعة وتنوير قلبه وتحلية باطنه، والقرب من الله – تعالى – يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله.

قال سفيان الثوري: “ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي”[61].

ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال ومباهاة الأقران وتعظيم الناس له وتصديره في المجالس ونحو ذلك فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.

فإن العلم إن خلصت فيه النية قبل وزكا ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله – تعالى – حبط وضاع وخسرت صفقته، وربما تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيخيب قصده ويضيع سعيه[62].

ثانياً: أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويغتنم وقت فراغه ونشاطه وزمن عافيته وشرخ شبابه ونباهة خاطره وقلة شواغله قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة، قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : “تفقهوا قبل أن تسودوا “[63] وقال الشافعي: “تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه”[64].

ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.

ومما يقال عن الشافعي أنه قال: “لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة”[65].

ثالثاً: أن يقسم أوقات ليله ونهاره ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له.

وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.

وقال الخطيب: “أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة“.

قال: “وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع”[66].

رابعاً: أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة على ثمان ساعات وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل.

ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كلّ شيء من ذلك أو ضعف بتنزه وتفرج في المستنزهات بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمانه[67].

خامساً: أن يترك مصاحبه من كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطباع سراقة وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه.

وإذا احتاج إلى من يصحبه فليكن صاحباً صالحاً، ديناً، تقياً، ورعاً، ذكياً، كثير الخير، قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبره[68

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

******

قال ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى:

ذهاب الإسلام على يد أربعة

الصنف الأول: من له علم بلا عمل؛ فهو أضر شيء على العامة، فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومبخسة.

 

والصنف الثاني: العابد الجاهل؛ فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله.

وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله: «احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون»؛ فان الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم، فإذا كان العلماء فجرة، والعباد جهلة، عمت المصيبة بهما وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة.

 

والصنف الثالث: الذين لا علم لهم ولا عمل؛ وإنما هم كالأنعام السائمة.

 

والصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض؛ وهم الذي يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين؛ فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجن؛ فانهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه.

فهؤلاء الأربعة أصناف كلهم على شفا جرف هارِ، وعلى سبيل الهلكة،

وما يلقى العالم الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم،

والله يستعمل من يشاء في سخطه، كما يستعمل من يحب في مرضاته، إنه بعباده خبير بصير. 

ولا ينكشف سر هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم،

فعاد الخير بحذافيره إلى العلم وموجبه

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

 

****

حقيقة التقوى

 

التقوى أن لا يفتقدك الله حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك

 

إن التقوى أصل عظيم من أصول ديننا وسبب من أهم أسباب

الهداية والاستقامة على الدين ولقد كان الصحابة رضي الله

عنهم يتواصون فيما بينهم بالتقوى وقدوتهم في ذلك رسول الله

صلى الله عليه وسلم الذي كان أتقى الخلق لله وأعلمهم بالله

وأخشاهم لله سبحانه ..

 

وللتقوى ثمرات يرسلها الله سبحانه على عباده المتقين

كما يرسل المطر المدرار إلى الأرض المجدبةفتنمو وتنبت

من كل زوجٍ بهيج ..

 

وللاطلاع على معنى و حقيقة التقوى حتى نجني ثمراتها

أعددت هذا البحث المبسط نفعنا الله جميعا بمحتواه ..

حقيقتة التقوى

 

أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية

تقيه منه ..

فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه

وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك .

وذلك بطاعته واجتناب المعاصي وامتثال الأوامره واجتناب النواهي

 

أي أن أصل التقوى أن يعلم العبد ما يُتق ثم يتقي .

 

قال تعالى في بيان حقيقة التقوى :

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون )

 

قال عبد الله بن مسعود رضي عنه في معنى قوله تعالى ” حق تقاته ” :

 

تقواه حق تقاته :

أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يُشكر فلا يُكفَر )

 

و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيان حقيقة التقوى :

 

( هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل

والاستعداد ليوم الرحيل )

 

و قال طلق بن حبيب في بيان حقيقة التقوى :

 

إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى

قالوا وما التقوى ؟

قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله

وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله .

 

معنى التقوى

 

سأل أمير المؤمنين ، عمر رضي الله عنه الصحابي الجليل

أُبَي بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى ومفهومها

فقال :

( يا أمير المؤمنين ، أما سلكت طريقا ذا شوك ؟

قال : بلى

قال : فما صنعت ؟

قال : شمرت واجتهدت أي اجتهدت توقي الشوك والابتعاد عنه

قال أُبَي بن كعب : فذلك التقوى.

 

إذا فالتقوى :

حساسية في الضمير ، وشفافية في الشعور ، وخشية مستمرة

وحذر دائم ، وتوقٍ لأشواك طريق الحياة الذي تتجاذبه

أشواك الرغائب والشهوات ، وأشواك المخاوف والهواجس

وأشواك الفتن والموبقات

 

وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابته الرجاء

 

وأشواك الخوف الكاذب ممن لا يملك نفعا ولا ضرا

 

وعشرات غيرها من الأشواك.

 

التقوى والتوحيد

 

إن كلمة التقوى هي كلمة التوحيد ، وأعظم ما أمر الله سبحانه به

هو توحيد الله .. هو لا إله إلا الله

 

وقد سماها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كلمة التقوى :

( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها )

 

فهي كلمة الإخلاص وكلمة التقوى ، وأضيفت إليها لأهميتها

ولتعلقها بها تعلقا شديدا ، فلا تقوى لمشرك ، ولا تقوى لمن ارتكب

أكبر ذنب عصي الله به :

( إِن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )

 

فمن عصى الله وأهلك نفسه بالموبقات فلا تقوى له

وإن كان من أهل التوحيد

فكيف يكون من المتقين من أشرك في عبادة رب العالمين

الذي لا إله إلا هو ؟

 

أعظم ما ينافي التقوى

 

الشرك بالله عز وجل ، ثم الابتداع في دين الله

فما عصي الله سبحانه بعد الشرك بذنب أعظم من البدعة

أن يعبد على غير ما شرع وعلى غير ما كان رسول الله صلى الله

عليه وسلم يعبده.

 

ثمرات التقوى

 

للتقوى ثمرات تنزل على أهلها كما ينزل المطر المدار

ومنها :

 

من ثمرات التقوى العظيمة اليقين والطمأنينة

والإيمان الذي يجد الإنسان حلاوته في قلبه

ويجد برده عليه مهما تشتد الظلمات، ومهما تحدق الخطوب

ومهما تشتد عليه المصائب، فإنه في طمأنينة وفي سكينة وأمان

أخوف ما يخاف أن تختل عنده التقوى

أخشى ما يخشاه أن تنقص تقواه لله

أما مع التقوى فكل شيء يهون

والنبي صلى الله عليه وسلم  كان يقول :

( إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي )

 

ومن ثمرات التقوى معية الله تعالى ، بالحفظ والتأييد ، والنصرة

والتمكين ، ومن كان الله معه فلن تنتكس له راية ، ولن تخيب له دعو

، ولن يُهزم له جُند ، قال الله تعالى :

(إِن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )

 

ومن ثمرات التقوى حسن العاقبة في الدارين

ففي الدنيا أمن ونصر وتمكين

وفي الآخرة جنة ونعيم ، قال الله تعالى :

( فاصبر إن العاقبة للمتقين )

 

ومن ثمرات التقوى انتفاء الخوف والحزن في الحياة الدنيا

ويوم يقوم الأشهاد قال الله تعالى :

( فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )

ومن ثمرات التقوى قبول العمل الصالح

 

صفات المتقين

 

لقد لخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه

صفات عباد الله المتقين في هذه الكلمات البليغة :

 

جاء عابد يقال له همام إلى على بن أبي طالب رضي الله عنه

وقال له :

 

صف لى المتقين حتى كأنى أنظر إليهم ..

 

فقال رضي الله عنه :

 

هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد

ومشيهم التواضع ..

غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم

على العلم النافع لهم ..

نزلت أنفسهم فى البلاء كالتى نزلت فى الرخاء ..

 

لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم فى أجسادهم

طرفة عين شوقا إلى ربهم ..

 

عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ..

 

قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة

وحاجاتهم خفيفة  وأنفسهم عفيفة ..

صبروا أياما قصيرة ، أعقبتهم راحة طويلة ..

وتجارة رابحة سيرها لهم ربهم ..

أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها

 

أما الليل فصافون أقدامهم يرتلون لأجزاء القرآن ترتيلا ..

فإذا مروا بآية فيها تخويف صغوا إليها بمسامع قلوبهم

وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ..

فهم جاثون على ركبهم يطلبون من الله فكاك رقابهم ..

 

وأما النهار فحلماء ، علماء أبرار أتقياء ..

قد براهم الخوف برى القداح..

ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى .. وما بالقوم من مرض

لايرضون من أعمالهم بالقليل ، ولا يستكثرون الكثير ..

فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ..

 

إذا زُكى أحدهم خاف مما يقال له فيقول :

أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربى أعلم بنفسي منى ..

اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون

واغفر لى ما لا يعلمون ..

 

فمن علامة أحدهم :

أنك ترى له قوة في الدين ، وحزما في لين

وإيمانا في يقين وحرصا في علم ، وعملا في حلم

وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة

وتحملا في فاقة ، وصبرا في شدة ، وطلبا في حلال

ونشاطا في هدى وتحرجا عن طمع ..

 

يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ..

يمسى وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر ..

مزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ..

 

تراه قريبا أمله ، قليلا زللْه ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه

مكظوما غيظه  ميتة شهوته ..

الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون ..

يعفو عمن ظلمه ، ويعطى من حرمه ، ويصل من قطعه

بعيدا فحشه  لينا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ..

 

في الزلازل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور

ولا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب..

يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ

ولا ينابز بالألقاب ولا يضر بالجار ، ولا يشمت بالمصائب ..

 

إن بُغى عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له

نفسه منه في هناء ، والناس منه في راحة ..

أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه ..

بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوه ممن دنا منه

لين ورحمة  وليس تباعده بكبر وعظمة

ولا دنوه بمكر و خديعة.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

 

********

 الحمد” مقرون بـ”التسبيح”، و”لا إله إلا الله” مقرون بـ”التكبير

قال ابن تيمية( و”الحمد” مقرون بـ”التسبيح”، و”لا إله إلا الله” مقرون بـ”التكبير”، فذاك تحميده، وهذا توحيده.

قال تعالى: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر: من الآية65) .

ففي أحدهما: إثبات المحامد له، وذلك يتضمن جميع صفات الكمال ومنع النقائص.

وفي الآخر: إثبات وحدانيته في ذلك وأنه ليس له كفؤ في ذلك.

وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذين الأصلين يجمعان جميع أنواع التنزيه.)

الحمد مفتاح الكلام

والحمد مفتاح الكلام، كما في “سنن أبي داود”( ) عن النبي صلى الله عليه وسلم: “كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم“.

ولهذا كانت السنة في الخطب: أن تفتتح بالحمد، ويختم ذكر الله بالتشهد، ثم يتكلم الإنسان بحاجته.

وبها جاء التشهد في الصلاة؛ أوله: التحيات لله، وآخره: أشهد أن لا  إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

وفاتحة الكتاب نصفان: نصف لله، ونصف للعبد.

ونصف الرب أوله حمد وآخره توحيد: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ونصف العبد هو دعاء وأوله توحيد: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }.

التكبير والتهليل والتسبيح مقدمة التحميد

والتكبير والتهليل والتسبيح مقدمة التحميد

وأما التوحيد: أن يكون الله أحب إليه من كل ما سواه. فلا يحب شيئا مثل ما يحب الله.

ولا يخافه كما يخاف الله.

ولا يرجوه كما يرجوه.

ولا يجله ويكرمه مثل ما يجل الله ويكرمه.

ومن سوى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو مشرك، إذ كان المشركون لا يسوون بينه وبين غيره في كل[ أمر] ( )فإن هذا لم يقله أحد من بني آدم، وهو ممتنع لذاته امتناعا معلوما لبني آدم، لكن منهم من جحده وفضل عليه غيره في العبادة والطاعة، لكن مع هذا لم يثبت ويسوي بينه وبين غيره في كل الأشياء.

فمن سوى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو مشرك.

قال الله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعام:1) .

أي: يعدلون به غيره.

يقال: عدل به أي جعله عديلا لكذا ومثلا له.

وقال تعالى:{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} إلى قوله: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء:91-98) .

وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} (البقرة: من الآية165).

فلا إله إلا هو سبحانه، وما سواه ليس بإله، لكن المشركون عبدوا معه آلهة، وهي أسماء سموها هم وآبائهم ما أنزل الله بها من سلطان، كما يسمى الإنسان- للجاهل عالما وللكاذب صادقا- ويكون ذلك عنده لا في نفس الأمر، وهؤلاء آلهة في نفوس المشركين بهم ليسوا آلهة في نفس الأمر، ولهذا كان ما في نفوسهم من الشرك هو إفكا.

قال الله تعالى عن إبراهيم:{ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ  أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} (الصافات:85،86) .

وقال أيضا:{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} (العنكبوت: من الآية17) .

وقال:{هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} (الكهف:15) .

وقال هود لقومه:{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} (هود: من الآية50) .

والموحد صادق في قوله لا إله إلا الله، وكلما كرر ذلك تحقق قلبه بالتوحيد والإخلاص.

 مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********

السعادة الحقة

 

لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها وما اللذة فيها إلا شرف العلم وزهرة العفة وأنفة الحمية وعز القناعة وحلاوة الإفضال على الخلق‏.‏ 

فأما الالتذاذ بالمطعم والمنكح فشغل جاهل باللذة لأن ذاك لا يراد لنفسه بل لإقامة العوض في البدن والولد‏. 

‏ وأي لذة ي النكاح وهي قبل المباشرة لا تحصل‏.‏ وفي حال المباشرة قلق لا يثبت‏.‏ وعند انقضائها كأن لم تكن ثم تثمرالضعف في البدن‏.

‏ وأي لذة في جمع المال فضلاً عن الحاجة‏.‏ فإنه مستعبد للخازن يبيت حذراً عليه ويدعوه قليله إلى كثيره‏.‏ وأي لذة في المطعم وعند الجوع يستوي خشنه وحسنه‏.‏ فإن ازداد الأكل خاطر بنفسه‏.‏

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏

بنيت الفتنة على ثلاث

النساء وهن فخ إبليس المنصوب‏.‏

والشراب وهو سيفه المرهف‏.

‏ والدينار والدرهم وهما سهماه المسمومان‏.‏ 

فمن مال إلى النساء لم يصف له عيش‏.‏

ومن أحب الشراب لم يمتع بعقله‏.‏

ومن أحب الدينار والدرهم كان عبداً لهما ما عاش‏. 

‏ أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق‏.‏ فإن الفلاسفة لما رأوا إيجاد شيء لا من شيء كالمستحيل في العادات قالوا بقدم العالم‏.‏ ولما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء قالوا‏:‏ إنه يعلم الجمل لا التفاصيل‏.‏ ولما رأوا تلف الأبدان بالبلاء أنكروا إعادتها‏.‏ وقالوا الإعادة رجوع الأرواح إلى معادنها‏.‏ 

وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر‏.‏

فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون‏.‏ وكذلك تدبيره عز وجل‏.‏ فإن من حمله على ما يعقل في العادات رأى ذبح الحيوان لا يستحسن والأمراض تستقبح وقسمة الغنى للأبله والفقر للجلد العاقل أمراً ينافي الحكمة‏.‏ وهذا في الأوضاع بين الخلق‏.‏ فأما الخالق سبحانه فإن العقل لا ينتهي إلى حكمته‏.‏ بلى‏.‏ قد ثبت عنده وجوده وملكه وحكمته‏.‏ فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل‏.‏ ألا ترى إلى أول المعترضين وهو إبليس كيف ناظر فقال ‏”‏ أنا خير منه ‏”‏ وقول خليفته وهو أبو أبو أبوالعلاء المعري‏:‏ رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلاً عن مطالعة ذاته‏.‏ وكيف نقيس أمره على أحوالنا‏.‏ فإذا رأينا نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل في أمه وعمه فلا يقبل منه ويتقلب جائعاً والدنيا ملك يده ويقتل أصحابه والنصر بيد خالقه أوليس هذا مما يحير‏!‏‏.

‏ فما لنا والاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته واستقر ملكه‏.‏

كتاب صيد الخاطر – للامام ابن الجوزي رحمه الله.

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

********

الحياء فضيلة في الرجل وجمال في المرأة

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير كما في صحيح مسلم

عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رضي الله عنه  عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارَا وَمِنْهُ سَكِينَةً. فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟.

وفي رواية لمسلم : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» قَالَ أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ»

أولاً: تخريج الحديث:

الحديث أخرجه مسلم، في ” كتاب الإيمان ” ” باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان “حديث (37)، و أخرجه البخاري في “كتاب الأدب” “باب الحياء”، حديث (6117).

و أما رواية “الحياء خير كله” أو قال “الحياء كله خير” فانفرد بها مسلم عن البخاري في نفس الباب والكتاب السابقين ، و أخرجها أبو داود في “كتاب الأدب” “باب في الحياء” حديث (4796).

ثانياً: شرح ألفاظ الحديث:

( بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ ): بشير بضم الباء أحد كبار التابعين و فضلائهم.

( الْحِكْمَةِ ) : هي في الأصل إصابة الحق عن طريق النظر الثاقب و العلم.

( أَنَّ مِنْهُ وَقَارَا وَمِنْهُ سَكِينَةً ) : أي أن الحياء منه ما يحمل صاحبه على أن يوقر غيره، و يتوقر هو في نفسه، و منه ما يحمل على أن يسكن عن كثير من المنهيات و المكروهات و الأشياء التي لا تليق بذي المروءة.

ثالثاً: من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى : الحديث دليل على على فضل الحياء و أنه محمود على كل حال و هذا الحياء الشرعي حيث قال النبي صلى الله عليه و سلم (( الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ )) و (( الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ )). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( الحياء من الإيمان ))

فإن قيل: هناك من الحياء ما يمنع صاحبه من قول الحق أو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فكيف نجمع بينه و بين كون الحياء لا يأتي إلا بخير و أنه خير كله؟

والجواب: أن هذا الحياء ليس هو الحياء الشرعي الذي هو خير كله، بل هو خجل و خور و عجز و مهانة و سمي حياءً مجازا و تشبيها لأنه يشترك مع الحياء الشرعي في معنى الانكسار و الانقباض وتعارف عند الناس أنه حياءً لكنه ليس حياءً شرعياً و إن سمي حياءً فهو حياء مذموم ليس مقصوداً في الحديث .

الفائدة الثانية: اختلف في سبب إنكار عمران بن حصين – رضي الله عنه – و غضبه على بشير بن كعب حينما قال له: ” إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارَا وَمِنْهُ سَكِينَةً ” اختلف فيه على عدة أقوال:

* فقيل: لأن بُشيراً قال ” أَنَّ مِنْهُ وَقَارَا وَمِنْهُ سَكِينَةً ” و (من) للتبعيض فيفهم منه أن من الحياء ما ينافي الوقار و السكينة و لذلك أنكر عليه، و يؤيده رواية مسلم الأخرى “فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقاراً لله، و منه ضَعْفٌ فغضب عمران“.

* وقيل: إنما غضب لأن بشيراً قال ذلك في معرض من يعارض كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بكلام غيره، و يؤيده آخر الحديث حيث قال عمران ” أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و سلم وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟“.

* و قيل: إنما غضب لأنه خاف أن يخلط السنة بغيرها فسد ذريعة ذلك بالإنكار عليه.

الفائدة الثالثة: من مباحث الحياء أيضاً ما يلي:

تعريف الحياء .

الحياء هو تغير و انكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح و يمنع من التقصير في حق ذي الحق ، هكذا عرفه ابن حجر في الفتح [ انظر الفتح “كتاب الإيمان” “باب أمور الإيمان” حديث (9)] ، و قيل في الحياء تعريفات أخرى غير هذا.

للحياء نوعان :

حياء غريزي ، و حياء مكتسب .

النوع الأول : الحياء الغريزي : وهو الذي يكون خِلْقة و جبلَّة و هذا النوع ليس مقصودا في حديث الباب و لكنه يعين على المكتسب فهو سبب في الكف عن القبائح .

والنوع الثاني : الحياء المكتسب : وهو المقصود لأنه هو الذي يكون معه نية تبعث صاحبه على فعل الطاعة و تحجزه عن فعل المعصية، فاستعمال الحياء على وفق الشرع يحتاج إلى نية وهذا يكون في المكتسب، و قد جمع للنبي صلى الله عليه و سلم النوعان من الحياء فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، و كان في المكتسب المثل الأعلى في البشرية صلى الله عليه و سلم.

الحياء و الاستحياء من صفات الله تعالى

و هي صفة خبرية ثابتة بالكتاب و السنة و (الحيي) من أسماء الله جل و علا.

و دليل من الكتاب: قوله تعالى:{ إنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيي أَن يَضْربَ مَثَلاً مَّا بَعوضَةً فمَا فوْقَهَا} ([1])و قوله: {وَ الله لاَ يَسْتَحيي مِنَ الحَق}[2].

و من السنة: حديث أبي واقد- رضي الله عنه – في الصحيحين و فيه: (( و أما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، و أما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه )).

و حديث سلمان- رضي الله عنه – مرفوعاً (( إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين ))  رواه أبو داود و الترمذي.([3] )

و حياء الرب جل و علا ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير و انكسار بل هو حياء يليق بجلاله يكون فيه ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته و كمال جوده و كرمه و عظيم عفوه فلا يفضح عبده إذا عصاه و جاهر بذلك بل يستره استحياء من هتك ستره، قال ابن القيم في نونيته:([4])

وهو الحيي فليس يفضح عبـده *** عند التجاهر منه بالعصيـان

لكـنه يلقي علـيه ستــره *** فهو الستير و صاحب الغفران([5]).

أعظم صور الحياء  الحياء من الله

فمن استخف بالأوامر و النواهي الشرعية دل ذلك على عدم إجلاله لربه و إعظامه و عدم حيائه منه جل و علا، و أدل دليل على ذهاب الحياء من الله عند بعض الناس أن تجده ضابطاً لسلوكه و أقواله و أفعاله عند من يحترمهم من البشر، ثم هو إذا خلا منهم و لم يطلع عليه إلا رب البشر وجدته يتصرف بلا قيود، و عن سعيد بن يزيد الأزدي- رضي الله عنه – أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم: (( أوصني قال: أوصيك أن تستحي من الله عز وجل كما تستحي من الرجل الصالح))([6])

قال المناوي- رحمه الله – : “(أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) قال ابن جرير: هذا أبلغ موعظة و أبين دلالة بأوجز إيجاز، و أوضح بيان، إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح، و ذوي الهيئات و الفضل أن يراه وهو فاعله، و الله مطلع على جميع أفعال خلقه، فالعبد لإذا استحى من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه تجنب جميع المعاصي الظاهرة و الباطنة، فيالها من وصية ما أبلغها و موعظة ما أجمعها”([7]).

و لقد كان الرعيل الأول أشد الناس حياءً من الله تعالى حتى تعدى حياؤهم لشيء لابد لهم منه ففي صحيح البخاري سئل ابن عباس عن قول الله تعالى:{ أَلا إِنَّهُمْ يثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}( [8])

فقال:” أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء و أن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم” و يفضوا إلى السماء أي ليس هناك ما يحجبهم من سقف و نحوه.

و كان أبو بكر الصديق يقول:”استحيوا من الله فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياءً من ربي“.

و كان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل.([9])

_ المعاصي تذهب الحياء

قال ابن القيم- رحمه الله – :” من عقوبات المعاصي ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، و ذهابه ذهاب الخير أجمعه فقد جاء في الحديث الصحيح ” الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ “”([10]).

الحياء أصل كل شيء

قال ابن القيم- رحمه الله – : ” فمن لا حياء له ليس معه من الإنسانية إلا اللحم و الدم و صورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، و لولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يوف بالوعد، و لم تؤد الأمانة، و لم تقض لأحد حاجة، و لا تحرى الرجل الجميل فآثره، و لا القبيح فتجنبه، و لا ستر له عورة، و لا امتنع من فاحشة و كثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئاً من الأمور المفترضة عليه . “([11])

من أقوال السلف في الحياء

* تقدم فعل أبي بكر و أبي موسى رضي الله عنهما.

* قال عمر رضي الله عنه:”من قلَّ حياؤه قل ورعه، و من قلَّ ورعه مات قلبه“.

* و قال ابن مسعود- رضي الله عنه – : ” من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله “.

* و قال الحسن البصري- رحمه الله – : ” الحياء و التكرم خصلتان من خصال الخير لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما “.

و إلى الله تعالى نشكو ذهاب هذا الخلق في كثير من صور حياة الناس اليوم على مستوى الأفراد و المجتمعات، فالرجل يجلب القبائح لنفسه بسلوكه مع الخلق و في بيته فيعرض فيه ما يسلخ الحياء و يربي أبناءه على ذلك فيجلب لهم القنوات الهابطة و الأغاني الماجنة و الصور الخليعة و التعاليم المقيتة و لا تسل حينئذ عن حياء الأبناء نتيجة هذه التربية، و المرأة لا تبالي فيما فعلت فتخرج إلى الأسواق متطيبة و متجملة و بحجاب يحتاج إلى حجاب، و في قصور الأفراح بلباس عارٍ و إظهار المفاتن و قبائح لا تنبغي إلا للزوج، و في مخالظتها للرجال الأجانب و حديثها و رفع صوتها و نحو ذلك من الصور، و في الشبكات العنكبوتية صور يندى لها الجبين تدل على موت هذا الخلق العظيم عند الفتيات فرحم الله حالهن و أحسن عزاءهن ببعدهن عن حال أمهات المؤمنين و نساء الصحابة، فعن أم المؤمنين عائشة  – رضي الله عنها – قالت : ” كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله و أبي و أضع ثوبي و أقول إنما هو زوجي و أبي فلما دفن عمر و الله ما دخلت إلا و مشدودة على ثيابي حياءً من عمر” ([12])

و في سنن أبي داود من حديث أبي أسيد الأنصاري عن أبيه- رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم – يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق ))  فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. قال الألباني: و بالجملة فالحديث حسن..([13])

نسأل الله أن يهب لنا و لأزواجنا و أبنائنا و جميع المسلمين حياءً يدفعنا للمحاسن و يدفع عنا القبائح.

 

مُسْتَلَّةٌ من شرح صحيح مسلم كتاب الإيمان للشيخ عبدالله حمود الفريح – الحدود الشمالية – رفحاء .

 

————————————

[1] ) البقرة :26

[2] ) الأحزاب : 53

[3] ) [ انظر صحيح الجامع (1757)].

[4] ) (2/80)

[5] ) [ انظر كتاب صفات الله عز و جل الواردة في الكتاب و السنة لعلوي السقاف ص 147]

[6] ) رواه أحمد [في الزهد (46)] و البيهقي [في شعب الإيمان (6/145)] و الطبراني [في المعجم الكبير (7738)] و صححه الألباني [في الصحيحة (741)].

[7] ) [انظر فيض القدير (3/74)]

[8] ) ( هود : 5 )

[9] ) [انظر فتح الباري لأبي رجب (1/52)].

[10] ) [انظر مزيداً أيضا الداء و الدواء ص 131].

[11] ) “.[ انظر مفتاح دار السعادة (277)].

[12] ) رواه الحاكم في المستدركو صححه على شرط الشيخين،

[13] ) [انظر الصحيحة (2/537)]

مشاركة من فضيلة معالى مدير الجامعة

جامعة المدينة العالمية