الأدب الإسلامي: وسطية المنهج ومنهجية الوسط

الأستاذ المساعد الدكتور

السيد سالم

ليس من التعصب في شيء إذا قلنا بأن وسطيتنا العربية تختلف كثيرا عن الوسطيات الغربية الأخرى؛ فوسطيتنا تستند إلى دين قويم، وتراث أصيل، له ملامحه وخصائصه، والتي جعلت منه الدين الخاتم والميزان القائم في قبول الأعمال وتمام الأفعال، ولم تنحصر على شخص بعينه بل شملت كل الناس، وبهذا نراها قد أنتجت حضارة فذة مازال عطاؤها موصولا، وأثرها ملحوظا، شجرتها سامقة باسقة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وهذا عكس تلك الوسطية الغربية التي اعتمدت على العقول ولم تسنتد إلى نقول، عقول تفلسفت وعلت على غيرها فانحصرت على فئات معينة، وأجناس محددة من المجتمع، فسمعنا عن الأدب الماركسي والاشتراكي….إلخ.

ولعل ما يقودنا إلى هذا وصف الله – عز وجل – لنا بأننا أمة وسطا، وسط بين طرفين: الناس من جهة كنموذج لهم ومثال يقاس عليه، وهذا يحمل في طياته المراقبة والمحاسبة، ثم النبي- صلى الله عليه وسلم-  وهي المسئولية أمام المنهج المتمثلة في شخص الرسول؛ وعليه فوسطية الأمة على هذا الأساس مراقِبة ومسئولة في الوقت نفسه. فوسطية بين هذين الأمرين كيف تتوقع أن تكون! لا أخالها إلا أن تكون عادلة ناجزة كاملة وافية، لا تستثني شيئا ولا أحدا، تجمع بين الشرق والغرب بين الجغرافيا والتاريخ بين الشمال والجنوب بين الأصفر والأحمر في توازن متساوٍ وتساوي متوازن، فلا تميل يمنة ولا يسرة، وأحسب أن هذا هو لُبُّ الدين وجوهره، إذن الوسطية بناء على هذا فضيلة بين نقيصتين، فهي اعتدال بين إفراط وتفريط. وانتظام بين تسيب وتشدد، وعدل بين ظلم ومحاباة.

وقبل التأسيس على ما سبق والبناء عليه، نلمح أن لفظة الأدب تذكرها المعاجم العربية بحسن التناول للقول، وحسن الشيم وتهذيب الأخلاق، وهذا – لعمري – ما كان يفعله الملوك والأمراء من جلب مؤدبين لأبنائهم لتعليمهم المحامد والفضائل والأخلاق،ولعلنا لا نبعد كثيرا عن مفهوم الوسطية ،الذي يتفق تماما مع ما تؤديه كلمة الأدب من معاني ودلالات لغوية.

ومع تطور الحياة بدأ يطلق الناس لفظة الأدب على كل ما من شأنه يهذب السلوك، ويرتفع بالأخلاق، ويرتقي بالنفس، وهذا ما كان عليه الشعر في كثير من موضوعاته وفي معظم عصوره، دعوة للإصلاح والتهذيب والتوجيه، تُقبل عليه النفوس وتستحسنه الأذواق، وأيم الله إن هذه هي الغاية التي ينبغي أن يحملها الأدب، والتي تتفق تماما مع ثوابت ديننا ومباديء إسلامنا، وهذا وما على شاكلته يصب فيما نتحدث عنه وهي الوسطية.

وانطلاقا من هذا يمكن القول بأن منهج الأدب الإسلامي إذن الوسطية.

منهجية الوسط التي يحتاجها كل فن الآن ليس الأدب فحسب ؛ لتحميه من الغربنة والعلمنة والعولمة والانخراط المتماهي فيها، والانجرار الغريب خلفها والاتباع الأعمى لمفرداتها؛ انسياقا وراء التبعية والحداثة والتنوير، والتقليد بلا فكر، والتطبيق بلا عقل لها ولغيرها من المذاهب الغربية، تحت مسميات لامعة براقة خادعة غرارة، أعمت الأبصار ومن ثم القلوب، كنوع من الحداثة ودربا من التطور والعصرنة.

إن منهجية الوسط في الأدب الإسلامي ليست بدعا من القول، بل مستمدة من قيم الدين وثوابته، وتعاليمه ومبادئه، منهجية تتبنى كل ما من شأنه الرقي بالمشاعر، والارتقاء بالعواطف، والتسامي بالمواقف والتجارب ذات النفع والفائدة، والتي تتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، ورفض كل ما من شأنه إفساد الذوق، وتشويش الفطرة، وتخريب النفس، وطمس الهوية ،وتجريف الخصوصية، وتقوية التبعية.

إن هذه المنهجية في ذلكم الأدب الإسلامي لا تغفل الفنية الجمالية، ووجوه الإبداع والحسن؛ بل تزكيه، وتحث عليه؛ ليؤدي في النهاية الغاية المنشودة والرغبة المرصودة منه وهي: المؤانسة والإمتاع، الجودة والإقناع، وحسن التوجيه وتوجيه الحسن لخدمة الغاية العظمى والهدف الأسمى من هذا العمل.

تلكم المنهجية الوسطية ليست دربا من الخيال، أو ترفا من العقل، إنها تنسجم تماما بتمام وسواء بسواء مع جبلة الله في خلقه وما ميزه الله به دون سائر مخلوقاته من تكوينية ثنائية متكاملة ومنظومة متساوية، وتركيبة متنوعة، فهو مزيج من عقل له فكر، وجسد فيه روح، وحس له عاطفة، لا يمكن الفصل بينهم بأي حال من الأحوال، وهذا ما اعتمد عليه القرآن في توصيل ما يريد لقارئيه ومتدبريه.

إن هذه المنهجية ترنو فيما ترنو إليه ربط القاريء العربي بموروثه وتراثه أولاً، يتشبع به، يفهمه يهضمه، يقف على حسنه وجماله، ما له وما عليه، ثم ينطلق إلى غيره – إن شاء – لكن بعد أن تمكن من الأدوات، وتملك الإمكانيات التي تؤهله للحكم والمقارنة، قبل الانصهار والانبهار، والانصياع والمصاهرة، والانجرار والمخامرة لأدب أو مذهب لا يعرف غثه من سمينه، رثه من سديده، خيره من شره، ثم تنطمس معالم منهجه، وينمحي معها أثره وآثاره، ويذوب مع من ذاب، فلا يعرف له الآن وجه من قفا ولا وسط من شفا.

كما تحرص تلكم المنهجية على تنقية الأفكار، وتحرير العقول من اللامعقول، وغربلة ما حوته الأسفار، وكل ما من شأنه تشوية الصورة، وتشويش المسيرة، وتشنيع السيرة لأدبنا ، وتبشيع الحركة القديمة والحديثة، ورميها بما ليس فيها، واتهامها بما يجافيها.

وأخيرا إن منهجية الوسط في الأدب الإسلامي ووسطية منهجه تراعي الفن الإبداعي والإبداع الفني في العمل بل هو ما تسعى إليه، معتمدة ومنطلقة من عقيدة صحيحة سمحة، تدفعه إلى كل ما يعود عليه بالنفع والفائدة، وليست ضد الجمال والحسن، كما أنها ليست بمعزل عن الناس والحياة. بل لا أحسبني مبالغا إذا قلت بأن الأدب والعقيدة لهما هدف واحد وهو الإنسان والمجتمع، فلا يجوز الفصل بينهما بأي حال من الأحوال.

جامعة المدينة العالمية