رمضان على الأبواب

د. فليح مضحي السامرائي

بمناسبة حلول الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك أتقدم لجميع الأساتذة الأكارم ومنسوبي جامعة المدينة العالمية كافة بأسمى آيات التبركات وأسال الله العلي القدير أن يعيد علينا شهر رمضان المبارك وامتنا الإسلامية ترفل بالعز والفخر، وبهذه المناسبة أنقل لكم محاضرة بعنوان (كيف نستقبل رمضان للشيخ عائض القرني) وأسأل الله أن تعم الفائدة للجميع وكل عام وانتم بالف خير.

 

منقول للفائدة

كيف نستقبل رمضان؟للشيخ عائض القرني(

رمضان وما أدراك ما رمضان؟!

إنه شهر تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح فيه أبواب الجنان، وهذا الشهر له فضائل ومزايا ومكانة في قلوب المسلمين الموحدين.

فيا ترى كيف يُسْتَقْبَل هذا الشهر الكريم؟!

أيُسْتَقْبَل بالسهر في معصية الله؟!

أيستقبل بالنوم والكسل؟!

بماذا يستقبل هذا الشهر؟!

وكيف كان حال النبي -صلى الله عليه وسلم- والسلف الصالح في رمضان؟

كل هذا ستعرفه في هذا الدرس إن شاء الله.

مميزات رمضان

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، أتى بالإسلام، خير من صلى وصام، وطاف بالبيت الحرام، وبنى دولة الإسلام، وكسر دولة الأصنام.

عنوان هذه المحاضرة: كيف نستقبل شهر رمضان؟

مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام            يا حبيباً زارنا في كل عام

قد لقيناك بحب مفعم            كل حب في سوى المولى حرام

فاغفر اللهم ربي ذنبنا              ثم زدنا من عطاياك الجسام

لا تعاقبنا فقد عاقبنا                     قلق أسهرنا جنح الظلام

ولهذه المحاضرة قطوف وشذور ولها عناصر:

1 – محاسبة النفس على عام انصرم، لا ندري ما الذي فعل به، إما حسنة سجلت في ميزان الحسنات، أو سيئة كتبت في ميزان السيئات.

2 – تذكر لقاء الله عز وجل، والإعداد لذاك اليوم العظيم الذي تتفطر له القلوب من رعبه وخوفه.

3 – اغتنام هذه النفحة الربانية، والعطية الإلهية، التي قد لا تعود على الإنسان مرة ثانية.

4 –  الإكثار من الطاعات والمسارعة في الأعمال الصالحات.

5 –  التخلي عن العادات الجاهلية والمخالفات الشرعية.

6 – جَدْوَل المسلم في شهر رمضان، كيف يقضي شهر رمضان؟

7 –  شذرات وقطوف مع محمد عليه الصلاة والسلام في بستانه وروضه.

من زار بابك لم تبرح جوارحه     تروي أحاديث ما أوليت من منن

فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسن

أيها المسلمون! أطل عليكم شهر مبارك، وهو فرصة ثمينة لا تقدر بالأموال، بشر به رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، وهتفت له قلوب الموحدين، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلِّقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين.

إذا جاء رمضان تهيأت جنة الرحمن للطائعين.

إذا جاء رمضان أغلقت أبواب النار ليتوب العصاة.

إذا جاء رمضان صفدت مردة الشياطين، فلا يغوون عباد الله.

فرمضان له مميزات عند المسلمين:

 نزول القرآن في رمضان    

أن هذا القرآن العظيم الذي بأيدينا -وهو الوثيقة الربانية التي فضحت أدمغة البشر- نزل في رمضان، نزل مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في رمضان.

هذا القرآن الذي وقف أساطين الدنيا وهم يتحدثون عن معجزاته، فتاهوا ومزقوا وسحقوا.

سمعتك يا قرآن والليل واجـم     سريت تهز الكون سبحان من أسرى

والقرآن أنزل في رمضان، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  [البقرة:185].

 رمضان شهر التقوى         

أن رمضان شهر للتقوى، فالنفس تذوب في رمضان وتكف جماح المعصية، وتلجم العين، وتنكسر الأذن، فلا تسمع الخنا، فالأعواد والموسيقى تسكت في رمضان ليتكلم القرآن، والبيوت تؤسس على نقاء في رمضان، والأكباد تجوع وتظمأ للسلسبيل الذي يشربه الصائمون إن شاء الله.

يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [البقرة:183] فالسر في رمضان أنه تقوى، وأنه يثمر الخشية في قلب المسلم، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا معشر الشباب! -وإنما وجه الخطاب للشباب؛ لأنهم أهل الثوب القشيب وأهل القلوب الحية، وأهل الطاقة الكامنة التي إن وجهتها إلى الطاعة أفادت، وإلى المعصية عربدت- يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء} ووجاء: أشبه بالخصاء، لأنه يذوب معه البطن والكبد فلا تبقى نوازع الشر؛ لأن نوازع الشر في الدم، والشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم، والدم إنما يغذى بالطعام والشراب، ولا يقلص الطعام والشراب إلا الصيام.

 رمضان شهر التوبة

أيها الإخوة! ومن مميزات رمضان أيضاً: أنه شهر للتوبة فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {رمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينها إذا اجتنبت الكبائر} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

الإكثار من الطاعات والمسارعة في الأعمال الصالحات.

 تلاوة القرآن 

وأعظم طاعة -يا أيها الإخوة- بعد الفرائض هي: تلاوة القرآن، قلت وأسلفت: القرآن يحب رمضان وهو شهر القرآن. كان الإمام مالك إذا دخل رمضان أغلق على كتبه وأتى بالقرآن ففتحه. وكان السلف يجلسون في المسجد بعد الصلوات يقرءون في كتاب الله حال مرتحل، كلما انتهى من سورة الناس عاد من أول القرآن: سمعتك يا قرآن والليل واجم سريت تهز الكون سبحان من أسرى فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها وسرنا على الأكوان نملؤها أجرا ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82] وقال: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:24] وقال تعالى: ((لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) [ ص:29

 المحافظة على صلاة الجماعة       

ومن عبادة رمضان وهي أروع من عبادة التلاوة: المحافظة على صلاة الجماعة، وبعض الناس يركز على النوافل لكنه يهمل الفرائض، والعبادة -يا إخوتي- الصلاة جماعة، قال ابن المسيب: [[من صلى في جماعة فقد ملأ البر والبحر من البر]].

إن مصداقية المؤمن تظهر في صلاة الجماعة.

فإذا أردت أن تعرف المؤمن من المنافق فانظر إليه في صلاة الجماعة.

 ذكر الله        

ومنها -يا أيها الإخوة- الذكر والتسبيح، فإن القلوب تمرض وتقسو وتصبح بعيده حتى يذوبها ذكر الله، فإذا مرضت فلا علاج لها إلا ذكر الله ولا يصرف العلاج إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

إذا مرضنا تداوينا بذكركم      ونترك الذكر أحياناً فننتكس

أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ  [الرعد:28].

 الإنفاق في سبيل الله

أيها الإخوة الكرام! ومن الطاعات العظيمة في رمضان التي يفعلها أهل رءوس الأموال والتجار وهي مواسمهم، يوم يكونون تجاراً مؤمنين مسلمين؛ الإنفاق، وإطعام الجائعين، وتقديم الصدقات؛ لأنا رأينا الكفرة النصارى والشيوعيين ينفقون أكثر -أحياناً- مما ينفق المسلمون، لكن الآن موسمكم يا أهل رءوس الأموال! الآن تفطير الصائم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من فطر صائماً فله مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء} أي: من أجر الصائم، مذقة لبن، أو شيء من تمر، أو قطعة خبز، يتوهم الذي يصف الأشكال والأنواع والحلو والحامض والبارد من الأطعمة أنه لا يوجد في الناس فقير.

فالآن أتى موسم الصدقات والعطيات، فليفعلوا كما فعل محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كان أجود بالخير من الريح المرسلة.

 صلاة التراويح       

ومن عبادات رمضان: قيام الليل، ومن أعظمها: صلاة التراويح، ذاك التضامن العالمي الهائل، يوم نجتمع صفوفاً وراء إمام واحد، يوم نتعلم الأدب والنظام، يوم نسكت لكلام الله -سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- وهو يتلى علينا في هذه الوثيقة الربانية، يوم طأطأنا رءوسنا لنسمع كلام الحق لا كلام غيره، كما تعرفون في ميدان العدل بل ميدان الظلم في موسكو يقولون: كان قبل جرباتشوف إذا قرئت وثيقة لينين نكس الزعماء الروس في الكرملن رءوسهم حتى تنتهي الوثيقة ثم يخنسون كأنهم الضفادع -عليهم لعنة الله- لكن لما جاء هذا صاحب الانفتاح سحقها بجزمته: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا  [الأعراف:38].

فنحن نقف خاشعين لنسمع التلاوة في قيام رمضان، وليس قيام رمضان معناه عادة يتخذها الناس ولا تهيئات وأشواق تبث في الهواء فقط، فعِش مع القرآن خاصة إذا كان المقرئ صاحب نسك وعنده صوت جميل، فإنه التوفيق إذا حضرت القلوب الواعية.

أيها الإخوة! يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: {من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} كيف إيماناً واحتساباً؟ أي: يكون مؤمناً لا يكون منافقاً ولا يكون كافراً، واحتساباً: يطلب الأجر من الله، لا رياء ولا سمعة، فبعضهم قد يأتي مجاملة في صلاة التراويح، يجامل الجيران أو الخلان أو الإخوان، فليس له إلا الخسارة والندم يوم العرض الأكبر.

التخلي عن العادات الجاهلية والمخالفات الشرعية.

فلا بد من التخلي عن العادات الجاهلية والمخالفات الشرعية، فبعض الناس تربى على عادات جاهلية حتى جعلها سنة وجعلها لوازم وكأنها فرائض، فلا يمكن أن ينتهي عنها ولا يتوب منها.

 الإسراف في إعداد الطعام. 

إن الله لا يـحب المسـرفين، قال تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء:27].

 الإسراف في النوم. 

إن أسرار الصيام معناها: أن تشعر بالجوع؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] وأنا لا أقول: لا تنام؛ لكن لماذا يُعْكس البرنامج في النهار، فيصبح نوماً كله والليل سهراً.

 اللعب واللهو

ومن الظواهر اللهو واللعب في رمضان عند كثير من الشباب، فالآن يعلن عن دورات الرياضة المكثفة إعلاناً واستعداداً لشهر رمضان، استعداد رياضة لشهر رمضان حتى يقضى في الدورات، وأصلاً ما كان هذا إلا صدَّاً عن العبادة التي يريدها الله عز وجل وأنا أعرف من الشباب من يترك صلاة التراويح لأجل الكرة إلى السحر.

كانت مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام عاصمة الإسلام تتراد بصوت القرآن والتلاوة الحية، وكانت نسمات القرآن عابقة، وكان محمد عليه الصلاة والسلام يمر فيسمع دوي القرآن، واسألوا تفسير ابن أبي حاتم والعجوز تقرأ قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ  [الغاشية:1] فيسمعها النبي صلى الله عليه وسلم ويبكي ويقول: {نعم أتاني، نعم أتاني} اسألوا صحيح البخاري فهذا أبو موسى يقرأ في البيت أو في المسجد وقد أوتي مزماراً من مزامير آل داوُد فيعيش معه محمد عليه الصلاة والسلام.

برنامج الصائم في رمضان.

برنامج الصائم في رمضان، وهذا البرنامج مجرد وجهة نظر واقتراح، ولكل أن يستحسن ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة، وأن يستخير الله، لكنه مقترح، وهو خطوط عريضة أو مسارات واسعة يمكن للإنسان أن يختار منها ما يشاء.

أقول أيها الإخوة: مما يعلم أن هذا البرنامج يتفق مع أوقات الصلاة؛ لأن الله يقول: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً  [النساء:103]. أقول:

الأمر الأول: صلاة الفجر في جماعة:

الأمر الثاني: المكث في المسجد حتى طلوع الشمس، ثم الصلاة ركعتين:

الأمر الثالث: صلاة الضحى:

الأمر الرابع: الراحة للنوم:

الأمر الخامس: صلاة الظهر مع رواتبها:

الأمر السادس: القيلولة:

الأمر السابع: صلاة العصر مع راتبتيها:

الأمر التاسع: قراءة القرآن، والدعاء:

الأمر العاشر: إيحاءات قبل صلاة المغرب:-

الأول: أن انصرام هذا اليوم يذكرك بانصرام العمر.

الثاني: أنه كما ذهب منك هذا اليوم فسوف يذهب عمرك من بين يديك.

الثالث: أن الناس في حياتهم وحسابهم كما هم عند إفطارهم، فمقبول منه مشكور سعيه، ومتبر سعيه باطل ما عمل.

الرابع: أنك تقدم يدك للإفطار وأنت جائع ظامئ الكبد، وتقول ما روي وما ذكر في السنة من الدعاء الذي ذكـر: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله)

الأمر الحادي عشر: صلاة المغرب مع راتبته:

ثم يصلي المغرب مع راتبته.

الأمر الثاني عشر: العَشاء:

الأمر الثالث عشر: صلاة العِشاء وراتبتيها، والتراويح:

الأمر الرابع عشر: السمر مع الأهل وزيارة الأحبة:-

الأمر الخامس عشر: النوم:-

الأمر السادس عشر: الصلاة والدعاء قبل الفجر:-

الأمر السابع عشر: السحور:-

الأمر الثامن عشر: الاستغفار والتهيؤ لصلاة الفجر:-

فإذا فعل ذلك فإن حياته وصيامه مقبول بإذن الله.

والله أعلم

ونسال الله أن يتقبل صيامكم وقيامكم

جامعة المدينة العالمية