أعلام من بلادي

الأستاذ المشارك الدكتور فليح مضحي السامرائي

الشاعر الأستاذ الدكتور خالد علي مصطفى:([1])

سنتاول في هذا المقال حياة شخصية أكاديمية لها حضورها المتميز على الساحة الأكاديمية والأدبية وشفيعنا في ذلك أن جهدنا سينصب على قراءة حياته بتفصيلاتها الدقيقة التي تتيح للقاريء الاطلاع على هذه الشخصية التي نرى أنها تستحق أكثر من هذا، وغايتنا أيضا أن نقدم تجربـة معاناة الشاعر الأديب في شق طريقه في الحياة، الذي ظل لزمن طويل خارج الدراسات النقدية، باستثناء النزر القليل، أضافة إلى ذلك أن نعرف القاريء العربي بأحد الأدباء المهمين على الساحة الأدبية العربية.

ولد الشــاعر خالــد بن علي بن مصطفــى بن احمد بن أبو حمـد عـام 1939 في قريـــة (عين غزال) بمدينة (حيفا) في فلسطين، لأسرة تمتهن الفلاحة شأنها شأن الأسر الموجودة في هذه القريـة الصغيرة، التي لم تدم له فيها الإقامة غير (تسع سنوات) حَسبْ، إذ أجبرته‘ ظروف قاهرة – وهو لما يَـزل طالباً في الصف الثاني الابتدائــي بمدرســة (عين غزال) 1947-1948 ([2]) – على مغادرتها بعد نشوب الحرب العربية – الصهيونية الأولى عام 1948، وعلى الرغم من قِصر المدة الزمنية التي عاشها في هذه القرية بفلسطين، إلا أنها ظلت علامة لحياة بأكملها اغتصبتها الصهيونية في غفلة من أهلها تجسد من خلالها ([3]). ((ارتباط الشاعر بقضية وطنه المحتل وثورة جذور انتمائه ضد المحتلين))([4]).

في شهر حزيران، 1948 وبعد وصوله إلى مدينة البصرة نازحاً من فلسطين، انتظـم مجدداً في الحياة الدراسية في مدرسة الجهاد الابتدائية، في معسكر الشعيبة الذي كان مخصصاً للاجئين الفلسطينيين– وكان هذا المعسكر بإمرة الجيش العراقي– وظل في تلك المدرسة إلى الـصف الـرابع الابتدائـي، بعدها أكمل الصفيـن الخــامس والســادس فـي مدرســة (الموفقية الابتدائية)، نتيجة انتقـال سكنـه وأهلـه مـن (معسكر الشعيبـة) إلـى (مدينة البصرة).

وان سبب انتقاله، إلى مدينة البصرة، هو أن معسكر الشعيبة انتقلت مسؤولية إدارته من وزارة الدفاع إلى وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك، وأصبح من حق اللاجئين الانتقال إلى أي مكان، وكانت هناك إدارتان لشؤون اللاجئين، الأولى في البصرة، والثانية فـي الموصـل، وكانتا تحملان اسم (مديرية شؤون اللاجئين).

بعد تخرجه من الابتدائية عام 1953 التحق في ثانوية (فيصل الثاني)، وهنا أخذت حياته مجرى آخر ولاسيما بعد الاستقرار النسبي الذي عاشته العائلة في البصرة، إذ بدأت الاهتمامات الأدبية تأخذ حيزاً من وقته وتفكيره، ولعل ذلك يعود إلى الوسط الطلابي الجديد الذي انتمى إليه، إذ تيسرت لديهم مجموعة من الكتب الأدبية، مثل كتب المنفلوطي، وجبران خليل جبران، وطه حسين، وروايات جرجي زيدان، وقد كان أكثر ما يشد هؤلاء الصبية القراءات القصصية والروائية ذات المنبع الرومانسي، ويمكن لنا أن نـعد هذه السنوات من حياة الشاعر خالد علي مصطفى، سنوات البناء والتكوين الثقافي والانطلاق نحو فضاءات معرفية كان لها الأثر البالغ في تكوينه الأدبي، إذ ازدادت صلته بالكتاب وتفتحت أمامه نـوافذ كثيـرة لإرواء ظمئه نحو الكتابة والكتاب، عندما وجد في الثانوية مساحة شاسعة للحوار والثقافة، ولم تكن الأيام لتمر من دون مباريات أدبية وشعرية ومناظرات فكرية أتاحت له التعرف على الأدب العربي ورموزه، من أمثال طه حسين وعباس العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري ومحمد مصطفى بدوي ومحمد مندور وعزالدين إسماعيل وكمال زكي ونجيـب سرور ولاسيما إحسان عباس الذي اخذ عنه منهجه في قراءة النص الشعري، إذ تتجسد هذه القـراءة في أن للنص الشعـري مستوييـن، الأول المستوى اللفظي التركيبي بكـل مـا فـي التركيب مـن عناصـر، والمستـوى الثـاني المسـافة الـواقعة بيـن النص الملفوظ والنص الذي يقع خلفهُ (الصامت) أو المسكوت عنه([5]).

التقى الشاعر خالد علي مصطفى بالأديب والناقد إحسان عباس وكان اللقـاء الأول بينهما في المربد الشعري الثاني في بغداد، وكان شاعرنا يسعى إلى لقاءه لأكثر من سبب، منها إن إحسان عباس من قرية الشاعر خالد علي مصطفى (عين غزال) نفسها، إذ أنجبت عدداً كبيراً من المثقفين العرب، فضلاً عن إعجاب شاعرنا بكتابات إحسان عباس النقدية، إثرَ تَمّيزه في هذا الجانب المعرفي، ويصفه خالد علــي مصطفى بأنه ((لا يوجد ناقد مثله، حسب تقديره سواء اتفقنا مع منهجه أم لم نتفق، والسبب (انه صاحب رأي) ولـه (القدرة الهائلة على التحليل) والغوص في أعماق النص عبر سطحه اللغوي، بحيث يمكـن أن يكـون بدايـات لبذور بنيويـة (استوردت) فيما بعد. وهو أول ناقد عربي بنيوي مع انه لا يدعي ذلك))([6])، حسب قول شاعرنا.

ساعـد إحسان عباس([7]) الشاعر خالد علي مصطفى – من خلال لقاءاته به أكثر من مرة في عمان وبيروت – على تلمس جماليات النصوص وعدم الوقوف عند ظاهر لفظها، فامتزجت قراءاته الأدبية بالقراءات النقدية حين تيسر له الإطلاع– في هذه المرحلة– على أعمال أكثر من ناقد وأديب، ولم يكفه الأدب العربي وحده، بل راح يخوض في غمار الأدب والنقد الغربيين، فاطلع على كتاب (قواعد النقد الأدبي) للنـاقد الإنكليـزي (لاسـل آير كرومبي) الذي فتحَ عينيه على مجالات أخرى فَعَرفهُ بإفلاطون وأرسطو ولونجيلوس ويشاردز وآخرين غيرهم، وفي مرحلة الدراسة الثانوية توافر له مصدر آخر للمعرفة الأدبية تمثل بالمجلات الأدبية التي كانت تصدر في ذلك الوقت، مثل مجلة الآداب البيروتية ومجلـة الأديب ومجلـة شعـر، وكانت هذه المجلات الزاد المعرفي لأغلب المثقفين العـرب في مرحلة الخمسينيات ومطلع الستينيات، ولاسيما ممن لا تتوافر لهم قدرة على شراء الكتـب، كما هو حال الشاعر خالد علي مصطفى([8])إذ كانت أسرته ترزح تحت وطأة شظف العيش بوصفهم لاجئين ينحشرون في أماكن إقامة تتكدس فيها العائلات الفلسطينية، ولهذا كانت المكتبات العامة المصدر الأول للقراءة والإطلاع على المجلات العربية التي ترد إلى رفوفها كل شهر، كانت هذه المجلات نوافذ مضيئة لطالب مازال يتدرج في السلالم الأولى، فأخذت بيده صوب الآداب الأجنبية لاسيما الحديثة منها كالوجودية التي تعرف عليها مـن خـلال أقـلام (جان بـول سارتر) ومسرحيات (البير كامو) فانهمك في تتبع ما تُرجم إلى العربية مـن آثـارهـم، وكـان للشـاعر الفرنسي(سان جون بيرس) حصة من هذه الإطلاعات حين تـرجم له الشاعر السوري علي احمد سعيد (أدونيس) إلى العربية في العدد الرابع من مجلة الشعر69، وكان لهذا الشاعر كما يقول خالد علـي مصطفى((تأثير كاسح في ميله إلى الشعر، لاسيمـا هذا الضـرب من الاستغراق في ابتكار الصور وما يفسح فيها من مجالات غريبة ذات احتفال كوني))([9]).

كان خالد علي مصطفى في مرحلة الدراسة الثانوية يركز على اكتشاف الأسس الأدبية والفنية التي يستنبطها من النصوص، ومن الشعراء العرب الذين اثروا في تشكيل شاعريته الشاعران الكبيران بدر شاكر السياب وعلى احمد سعيد (أدونيس). كما تأثر شـاعرنا بالشـاعـر الإنكليزي (ت. س. إليوت) ولاسيمــا قصيدتـه (أربعاء الرمـاد) التي قادته للبحث عن النصوص الشعرية الأخرى لهذا الشاعر، وذلك للتعرف على هذه الطريقة الغريبة في قول الشعر، ونسج القصيدة التي تجسدت عبر القفز بين الصور والإفادة من هوامش الحياة اليومية والارتقاء بالشعر إلى مستوى الرمز.

لقد كــان لهؤلاء الشعراء الأربعة (بيرس، إليوت، السياب، أدونيس) تأثير واضح مـازال حتى اللحظة يُلقي بظلاله على قصيدة خالد علي مصطفى. و بهذا نستطيـع أن نعد المرحلة الثانوية هي مرحلة التكوين الأساسي الأوّل، الذي تخصّب و انفتح على آفاق أكثر جدّة و عمقاً في مرحلة الدراسة الجامعية (1958-1962)، إذ أقحمته هذه الاهتمامات المتنوّعة في فضاء أدبي آخر ألا وهو الأدب المسرحي، من خلال سلسلة من المجاميع التي تصدر في القاهرة و بيروت في الستينيات، وكان الشاعر حريصاً على اقتنائها والتزود ليس من متنها المسرحي وحده بل من المقدمات التي يكتبها المترجمون لهذه المسرحيات ومع شغفه الواضح بالأدب المسرحي والروائي إلا أنّ شغفه هذا لم يمتد به إلى مغامرة الكتابة فيها، بل ظل عِشقاً تغذيه القراءات بالاستمرارية والدوام، ولطالما وجد هذا العشق حيزاً في نصوصه الشعـرية من خلال (الدرامية) التي تشكلت بصورة حسيـة في البدايات كما في قصائده الأولى التي نشرتها جريدة (الحريـة) البغدادية ومجلة (كل شيء) التي كان يُسهم في تحريرها على نحو ما، واغلب هذه النصوص التي رافقت دخوله الجامعة فقدت ولـم يبقَ منها سوى مجموعـة قليلـة نُشرت في مجلة الآداب البيروتية وهي لا تتعدى أصـابع اليد، وكان أغلبها يميل نسبياً إلى الطول كما في قصيدة (الشراع الأخضر)، وهذا راجع – كما نوهنا – إلى التأثير الروائي المسرحي وإدمان الشاعر على قراءته بشكل مستمر، وإنَّ هذه القصائد هي ما أنتجته قريحته الشعرية من شعر في أروقة الجامعة حسب، فلم يُؤْثَرْ عَنه إن كتب سوى هذه النصوص، ومن خلال دراستنا لتلك النصوص تبين لـنا إنَّ قصيدة (العينان النعش)([10]) التي كتبت تحت تـأثير الاتجاهات الرمزية وصّرح لنا بذلك الشاعر خالد علي مصطفى هي وحدها التي اتصفت بمـقومات فنيـة وجودة في استعمال الصور، على عكس النصوص الأخرى التي تسلل إليها كثير من الارتباك، والضعف الواضح في المهارة الشعرية كحال أية بداية.

في آذار عام 1959، زج بالشـاعر خـالد علـي مصطفى – وهو في المرحلة الجامعية – في أقفاص السجن بسبب مواقفه الوطنية والقومية، ومكث فيه ثلاثة اشهر ونفي مرّتين خارج العراق، وبسبب عدم موافقة أيّة دولة عربية على استقباله، أُطلق سراحه بكفالة وعاد إلى العراق بعد سقوط نظام عبد الكريم قاسم.

التحق ثانية بالجامعة ليتعرف فيها على اكثر من صديق وأديب، فتعرف على الشاعر شاذل طاقة الذي مدّه بالتشجيع على ممارسة الكتابة، وتعرف أيضاً على معظم الأدباء العراقيين بجميع اتجاهاتهم القديمة والحديثة ومنهم خالد الشواف وعبد الرزاق محي الدين وعبد الجبار البصري ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب وسامي مهدي و حميد سعيد وفاضل العزاوي و فوزي كريم وغيرهم.

كان خالد علي مصطفى في المرحلة الجامعية متجهاً نحو الحداثة، والبحث في هذا الاتجاه مما وفر له الخصوصية والفراده، ولاسيما إنّه أشبع غروره بهذه الخصوصية من قراءاته المتنامية للفكر الحداثي من خلال رموزه الرئيسة، مما جعل استجابته للاتجاه التقليدي تصل مرحلة الصفر، فهو مثلاً لا يرى في الجواهري شاعراً عظيماً على الرغم من المكانة المرموقة التي يحتلها ليس في الشعر العراقي بل في الشعر العربي عامة والسبب كما يقول خالد علي مصطفى ((لأنه ليس شاعراً مجدداً و مبدعاً، فهو شاعر تسوقه الانفعالات والبواعث الشخصيـة و الاجتماعية حاله حال أي شاعر إحيائي))([11])، في حين يذهب صـوب عمر أبو ريشة وبعض رومانسيي ما بين الحربين من أمثال، علي محمود طه والياس أبي شبكة، فيصفهم بأنهم من ((ذوي الخصوصية في الاتجاه الرومانسي))([12])، أما الشاعر الرومانسي محمود حسن إسماعيل فهو لم يعجب به لأنّ ((قصائده تعاني من اضطراب السردية الشعرية حسب قول محمد مندور وإحسان عباس))([13])، والغريب إن خالد علي مصطفى لا يكتـم إعجابه بالشعراء الرومانسيين العرب في حين يرفضها في نتاجهم الأدبي ويصفه بأنه((إسهال عاطفي))([14])و((تكرار ممل تـحـول فيمـا بعـد إلى تقليد))([15]).

كان يجد في نفسه ميلاً في المرحلة الجامعية إلى نوع من التجاوب الغامض مع دعوات التجديد القصوى في الأدب العربي، كدعــوته إلى قصيــدة النثـر والقصص العجائبيــة لـ (زكريا تامر)، التي انفق وقـتاً غير قليل في متابعتها واقتنائها، وكان يميل إلى الشيء الخاص والبارز في العمل الأدبي الذي يقرؤه عن الآخرين وينتجه هو أيضاً، إذ يمثـل مفصلاً بارزاً للإدراك الحسي والعقلي من دون أن يلزم نفسه بأي اتجاه، مستقلاً باتجاهه الخاص بحثاً عن التفرد والخصوصية، وغالبـاً ما نجده ينأى بنفسه وبفنه عن الاتجاهات الأدبية التي تُطرح من قبل العامة، كالأدب الملتزم، والأدب للحياة وأشباهها، لكونـه يجد فيها اشتراكاً من قبل الجميع ولا شأن له فيها.

ويمكن أنْ نعد شاعرنا بأنه من شعراء المقاومة معتمدين على القول ((إن الشعـر العربي– بصفـة عامـة – شعـر دفـاع عـن النفس، وعـن الحياة، فهو((أدب مقاومة)) في المقام الأول))([16])، لكنـه يرفض هذه التسمية، على الرغم من مواجهته بالحقيقة التي نعرفها وينقلها لنا الدكتور قصي الحسين ((لنقل مع غالي شكري، إن الشعراء خارج الأرض المحتلة، مقاومون، وهم فـي نظرنا كذلك هم وكثير من الشعراء الفلسطينيين المنفيين كيوسف الخطيب وسلمى الخضراء الجيوسي وخالد علي مصطفى ومربد البرغوثي وأحمد دحبور وغيرهم))([17]).

ويذكر الكاتب لنا في مكان آخر((بقي أن نشيـر الى وجه آخر من وجوه الموت والحياة والولادة الجديدة، هو الوجه السلبي اليائس من الحياة والموت والولادة، وأكثر ما يمثل هذا الاتجاه، الشاعر الفلسطيني خالد علي مصطفى)) ([18]).

ويمكن القول ان ((من بين أدب المقاومة… قصيدة خالد علي مصطفـى ((أردية البدو الملكية)) التي تتحدث بلسان فلسطيني يصور مأساته في أرضه العربية))،([19]) عمل كثيراً على أن تكون قصيدته ذات خصوصية وفرادة، ولاسيما عملية الاستبطان الداخلي التي تَسربت إلى فنه من إحسان عباس، مما جعل معمارية القصيدة لديه عالية في الهندسة والتشكيل والزخرفة، كان مدركاً أن للأدب قوانينه الخاصة التي لا تلتقي مع القوانين الموضوعة سلفاً، وأن الشاعر الذي يبتغي الخصوصية عليه أن يحاول اختراق القانون الأدبي وصولاً إلى قانون آخر من دون إلغاء الجوهر الحقيقي لطبيعة الأدب.

كانت المرحلة الجامعية بالنسبة لشاعرنا تأسيسا واختباراً لكثير من القضايا التي شغلتهُ، كقضية (الأدب التكاملي)([20]). وتتجسد في أن الأثر الأدبي بقدر ما تكون رموزه محددة من دون الإشارة إلى مرجعياته بصورة مباشرة، يكون معبراً عن تجربة إنسانية كلية، أي أن النص الأدبي ذو حدود في حين إيماءاته لا حدود لها، إن أدراك الشاعر لهذه المسألة جعله مُقلاً في قول الشعر قياساً بشعراء جيله.

في عام 1962 حصل الشاعر على درجة البكالوريوس في كلية الآداب، جامعة بغداد، قسم اللغة العربية وبدل من أن يتجه إلى وظيفـة تناسـب تحصيلـه العلمي قدم طلباً للانضمام إلـى البنـك العربي لكـن طلبه رُفض آنذاك ولم يتيسر له إيجاد أي عمل مناسب، وسعى للانتماء إلى كلية الضباط الاحتياط وتخرج فيها بتاريخ 5ا/6/1963 وأستمر في الخدمة إلى 5/6/1964.

ارتبـط الشاعر وهو في خدمـة الاحتياط بابنة خاله التي أنجبت له ثلاثة أولاد وبنتين هم (وليد، مثنى، بيسان، غسان، أروى).

بعد تسريحه من خدمة الاحتياط صدر بتاريخ 24/11/1964 أمر تعيينه مدرساً في متوسطة (ملتقى النهرين) في القرنة بمحافظة البصرة وباشر فيها بتاريخ 1/12/1964 وبقي فيها إلى ما بعد العطلة الربيعية للسنة الدراسية 1966 – 1967 إذ انتقل إلى محافظة بغداد ليلتحق بذويه و أهله الذين وفدوا إليها في عام 1963.

باشر وظيفته مدرّساً في إعدادية الرصافي، القسم الأدبي (إعدادية الأعظمية حالياً) في النصف الثاني من عام 1967، وقد وفّرت له هذه الوظيفة أرضية جديدة للنشاط الثقافي وهو في قلب العراق (بغداد) وما تزخر به من جو معرفي وثقافي، وفي عام 1968 عين محرراً في مجلة (ألف باء) مع سامي مهدي. ([21])

لم يكن خالد علي مصطفى جديداً على أجواء بغداد الثقافية، لذلك سرعان ما كونّ هو وثلة من شعراء جيلـه تياراً أو اتجاها أُطلق عليه (جيل الستينيات)، الذي جاهر بحدوده الفاصلــة ورؤاه عــن الآخرين، وقد حمل آراءهم (البيان الشعري) الذي نشر في مجلة (الشعر 69) العراقية، مـذيلاً بأسماء فاضل العزاوي وسامي مهدي وخالد علي مصطفى

وفوزي كريم،وهم الذين ساهموا بإصدار المجلة في مايس 1969 حتى أيلول 1969([22])، والبيان الشعري هو تقديم وضع للعدد الأول من مجلة (الشعر 69)([23]) وسمي بياناً لأنه كان يحوي جملة من النقاط الأساسية التي يتميز بها ويسعى اليها جيل الستينات ومن بينها العلاقة بين السياسة والشعر والتراث والحداثة والشكل العام للقصيدة، ووضع القوانين لها ومعرفة ما يجول في خاطر الشعراء وعليه سمي (بياناً)([24]) ووقع عليه أربعة شعراء هم سامي مهدي و فاضل العزاوي و خالد علي مصطفى وفوزي كريم، والبيان الشعري في أساسه يصور جيل بأفكاره وتطلعاته ورؤاه ويضع الركائز الأساسية لشعر وشعراء جيل الستينات ويحفظ أدوار الآخرين وخصوصياتهم لكنه لا يضعهم بمستوى واحد، وقد ضم البيان أو ركز على مجموعة من الأسس. ([25])

في عام 1969 أطلق خالد علي مصطفى الشرارة الإبداعية الأولى في إنتاجه الشعري وهو ديوانه الشعري الأول (موتى على لائحة الانتظار)، وجـاء على شكل تجريبي في الرؤى والأساليب وبميل واضح نحو السريـالية، وكان الشاعر قد أنجزه في السنوات العشر التي سبقت نشره، وفي السنة نفسها ساهم الشاعر في إصدار مجلة (الأديب المعاصر)، وأصبح فيها مع سامي مهدي وطراد الكبيسي وياسين النصير وفاضل ثامر أعضاء هيئة التحرير. ([26])

في عــام 1970 نُقل الشاعر من إعدادية الأعظمية إلى (وزارة الإعلام) بوظيفة سكرتير تحرير مجلة (ألف باء) التـي كـانت فيما بعد محطـة لانتقالـه إلى ديوان الوزارة في مجلـة (الأقلام) ومن ثـم إلى مجلة (المثقف العربي).

وفي عام 1972 صدر ديوانه الشعري الثاني (سفر بين الينابيع) الذي يشكل تجربـة شعريـة واحـدة، ولاسيما وهو يغور في حلم العودة إلى الأرض الأم (فلسطين)، ويمكن لنا أن نقول إن خالدا ((أرادها ((سمفونية)) تكاد تقتصر … على نوع من تجسيد((واقع الحال))، الذي يمتزج فيه السرد بالأحاسيس والمشاعر)).([27])

في عـام 1975 عاد شاعرنا ثانيةً إلى أروقة الجامعة لا كمال مشواره العلمي والحصول على شهادة الماجستيـر واقترن ذلك بصدور ديوانه الثـالث (البصرة – حيفـا) الذي جاء أكثر

هدوءً من سابقيه، وذلك لتحول الشاعر إلى ضرب مـن (الانشـراح العاطفي) أي إن قصـائده تفتحت على مجالات عاطفية لا سباب امتنع عن الإفصاح عنها. ويمكن القـول ((إن البصرة – حيفا عند شاعرنا طريقٌ حديدٌ يخرج من بيروت وأن فلسطين في هذه القصيدة الطريق الملغي وقد عدها الشاعر شريان اسمر يربط البصرة ببيروت مروراً بفلسطين، ورغم قساوتها إلا إنها ممتلئة بإشعاع أمل)) ([28]).

في عام 1977 وبعد حصوله على شهادة الماجستير الموسومة (الشعر الفلسطيني الحديث، 1948 – 1970) وصدرت كتاباً بطبعته الأولى عام 1978، تم صدور أمر نقله إلى الجامعة المستنصرية ليُدرس مادة الأدب الحديث إذ قام بتدريسها لمدة ثلاث سنوات، نُسب بعدها إلى جريدة الثورة وشغل منصب رئيس القسم الثقافي فيها حتى عام 1986.

في عام 1980 صدر ديوانه الشعري الرابع (سورة الحب)، وهو عبارة عن قصيدة طويلة مستقلة تعتمد بدرجة أساس على ما يسمى (القصيدة المدورة) مع استلهام معيّن لفضاء التغريب. وتعد ((واحة عربية صرفة، تمتزج فيها الأفكار وتختلط فيها المشاعر بصورة ديناميكية متفاعلة، لينتج هذا الامتزاج والفوران والتحدي سورة مركبة من سور العصر)).([29])

عاد الشاعر في عام 1986 إلى الجامعة المستنصرية، لتدريس مادة الأدب العربي الحديث والنقد والعروض ترافق ذلك مع صدور الطبعة الثانية من كتابه النقدي الذي هو أطروحة الماجستير (الشعر الفلسطيني الحديث، 1948 – 1970) ويدور حول اتجاهات الشعر الحديثة في فلسطين.

في عام 1989 وبعد عودته إلى الجامعة المستنصرية بثلاث سنوات صدر له ديوانه الشعري الخامس (المعلقة الفلسطينية)، الذي هو اقرب إلى المرثية الطللية ويعني ذلك قصيدة حديثة على وفق تقسيم قديم، والوقوف على الأطلال من دون أن يكون لها صلة بالقديم، وهذا ما يسمى بالمنحى الاستبطاني.

في تسعينيات القرن المنصرم ظل الشاعر متواصلاً مع الحياة الثقافية بكل إمداداتها وتشعباتها، ولم تسرقهُ لحظة خمول أو انكفاء عن مواصلة العطاء الثقافي، إذ تجد له قصيدة في تلك المجلة أو دراسة نقدية في أخرى، ومقالاً صحفياً هنا وآخر هناك، فضلاً عن المناقشات في الندوات الجامعية وحضور المهرجانات الأدبية والثقافية التي يعد الشاعر من ابرز رجالاتها، ويبدو إن الشاعر خالد علي مصطفى كلما امتد به العمر أوغل في الشبابية، فقـد نذر نفسه لمناصرة كل الحركات التجديدية سواءً أكانت في الشعر أم في القصة أم في الفنون الأخرى.

ظل شاعرنا مواكباً الأجيال الشعرية التي لفُها الكثير من الغموض، فهو لا يقف أمام أية ظاهرة ثقافية وقفة العاجز، بل وقفة المحاور والمناقش ليصل في أقل تقدير إلى مرافئ واضحـة المعالم ولو لنفسه فقط.

في عام 1993 صدر ديوانه الشعري السادس (غزل في الجحيم)، الذي حمل في طياته آثاراً من شكسبير في (السونيتات)([30])، وهو آخر ديوان منشور حتى إعداد هذا العمل.

لكن شاعرنا مع ذلك ظل يكتب الشعر، ولاسيما المطولات الشعرية التي تعد لوحدها تجربة متكاملة الأبعاد، تنفتح على فضاءات كُثر، كان للدربة الشعرية وللخزين المعرفي وللتجارب الحياتية أثر واضح فيها.

في عام 1998 تولى رئاسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب،فـي الجامعة المستنصرية، لمدة أربع سنوات، آثر بعدها التفرغ لطلبته ومشروعه الأدبي، وتحصيله العلمي، إذ انتظم مجدداً ليكمل مشروعاً طالما خذلته الظروف في إكماله، وهو الحصول علـى شهادة الدكتوراه، حيث قُبل في الدكتوراه عام 2003 وباشر بأعداد أطروحته الموسومة (لبيد بن ربيعه العامري/دراسة نقدية) ليكملها ويحصل على الدكتوراه في 7/2/2004م.

كما شغل منصب نائب أمين عام اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ورئيس لجنة الشعر العليا في مهرجان المربد لسنوات طويلة من منتصف الثمانينيات إلى نهاية التسعينيات.([31])

تُعد هذه الإضاءات السيرية التي قدمناها، لمحة أولى في حياة الشاعر خالد علي مصطفى، ولاسيما انه مازال يُغني الحركة الثقافية بنشاطاته التي لا تعرف الكلل، ولا يتسرب إلى داخلهـا الخمول.

([1]) اعتمدت في سرد سيرة حياة خالد علي مصطفى على أربع مقابلات، أجريتها مع الشاعر، الأولى في الجامعة المستنصرية بتاريخ 1/11/2002، الثانية والثالثة والرابعة في منزله في التواريخ، 13/12/2002، 2/3/2003، 27/5/2003 على التوالي.

([2]) مدينة الشعر، خالد علي مصطفى، مجلة الشعراء، صيف 2000: 43.

([3]) جماليات التشكيل والتعبير في القصيدة الحديثة، الدكتور فليح مضحي أحمد، دار غيداء للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن، ط1 ، 2015 ، 17-30.

([4]) الصورة والرمز في الشعر العراقي الحديث، ذنون الأطرقجي، مجلة الأقلام، العددان 11 – 12، لسنة 1987: 190.

([5]) مقابلة أجريتها مع الشاعر خالد علي مصطفى بتاريخ 13/12/2002 في منزله ببغداد.

([6]) م. ن.

([7]) ينظر: فن الشعر، د. إحسان عباس: 15 وما بعدها.

([8]) مقابلة أجريتها مع الشاعر خالد علي مصطفى بتاريخ 13/12/2002 في منزلة ببغداد.

([9]) م. ن.

([10]) القصيدة منشورة في مجموعته (موتى على لائحة الانتظار) ومؤرخة عام 1961: 39.

([11]) مقابلة أجريتها مع الشاعر خالد علي مصطفى بتاريخ 13/12/2002 في منزله ببغداد.

([12]) م. ن.

([13]) م. ن.

([14]) م. ن.

([15]) م. ن.

([16]) قضايا حول الشعر، د. عبده بدوي: 249.

([17]) الموت والحياة في شعر المقاومة، د. قصي الحسين: 17.

([18]) م. ن: 47.

([19]) مهرجان المربد الأول: أعده واشرف على طبعه، حميد سعيد، عبد الجبار داود البصري، عبد المجيد الربيعي، محمد الجزائري، خالد علي مصطفى: 120.

([20]) ينظر: الأدب التكاملي، د. عبد الجبار البصري: 20 وما بعدها.

([21]) ينظر: الأدب التكاملي، د. عبد الجبار البصري: 20 وما بعدها.

الموجه الصاخبة، سامي مهدي: 11.

([22]) الموجة الصاخبة، سامي مهدي: 11 وما بعدها.

([23]) البيان الشعري، مجلة (الشعر 69)، العدد الأول 1969: 3.

([24]) الموجة الصاخبة/شعر الستينات في العراق، سامي مهدي: 195 وما بعدها

([25]) البيان الشعري، مجلة (الشعر 69)، العدد الأول 1969: 3 – 16.

([26]) الموجة الصاخبة، سامي مهدي: 63 – 64.

([27]) رؤى العصر الغاضب، ماجد صالح السامرائي: 107.

([28]) قصائد مختارة من شعراء الطليعة العربية، أختارها وكتب الدراسة، علي جعفر العلاق: 18.

([29]) جريدة الجمهورية العراقية، عدد 5505، بتاريخ 29/9/1984: 5.

([30]) السونيت: قالب ايقاعي غربي

([31]) مجلة الشعراء، عدد 9: 43.

جامعة المدينة العالمية