كلمة الشيخ

محمد خليفة التميمي - المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

أعيش في ماليزيا منذ عشر سنوات ولم أسمع أن هناك أزمة سكن، بل إن العرض يزيد على الطلب، وماليزيا من حيث عدد السكان تماثل عدد سكان المملكة العربية السعودية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف استطاع هذا البلد توفير السكن في الوقت الذي نعاني فيه من أزمة سكن.
والجواب بكل بساطة يكمن في المعادلة التي استخدمتها ماليزيا في توفير السكن والتي تقوم على أن تأمين السكن تم عن طريق شركات التطوير بنسبة تصل إلى 99% بينما أتاحت الدولة ما نسبته 1% من الأراضي للأشخاص الذين يرغبون في بناء مساكنهم بأنفسهم وهم في الغالب من الفئات المقتدرة مادياً.
وإذا ما عقدنا مقارنة بسيطة بين وضعنا ووضع ماليزيا نجد أن نصيب ما بني بواسطة شركات التطوير لدينا لا يتجاوز 1% بينما كل مواطن منا يبني مسكنه بنفسه بنسبة تصل إلى 99%.
ولمزيد من التفاصيل في الاستراتيجية التي تسلكها ماليزيا فإن عملية التطوير العمراني في هذا البلد تقوم على أساس أن الجميع مستفيد ورابح فحكومات الولايات تستثمر في المجال العقاري وذلك بوضع البنى التحتية في الأراضي التي تحت ملكيتها وبعد ذلك تقوم ببيعها، ويُعد ذلك مصدر دخل لتلك الحكومات المحلية، والكل يدرك أن سعر الأرض التي تتمتع ببنية تحتية يرتفع أضعافاً مضاعفة، وفي الوقت نفسه يُعد هذا الأمر في صالح شركات التطوير فهي لا تواجه أي إشكالية في البنى التحتية باعتبارها أنها أقيمت بإشراف مباشر من الحكومة، بالإضافة إلى أن المخططات قامت وفق معايير روعي فيها التخطيط العمراني السليم حسب المواصفات التي تم التخطيط لها.
وبالنظر لكون الشريحة العظمى من الماليزيين هم من الطبقة الوسطى، فقد روعي في تصاميم ومواصفات البناء حاجات تلك الطبقة بحسب مصادر دخلها وبحسب مستواها المعيشي وعدد أفراد الأسرة، ومن هنا كانت التصاميم المعمارية لتلك المساكن تتراوح من الشقق الصغيرة إلى الفلل الكبيرة ذات المستوى العالي مروراً بالمساكن الشعبية، ولكن كل ذلك داخل مجمعات عمرانية يقوم فيها المطور بتوفير كافة المتطلبات والشروط التي يحتاجها ذلك المجمع السكني من خدمات ومستلزمات تجعل من المحيط المصاحب لتلك المساكن في غاية التنسيق والجمال والروعة.
وأما كيفية الحصول على تلك المساكن فإن العملية تقوم في أغلب الأحيان في الحصول على قروض ميسرة من البنوك، تمتد أحياناً إلى عشرين سنة في سدادها بغية التسهيل على المواطن للحصول على السكن، ولذلك تؤدي البنوك دوراً في تمويل المطورين من جهة وفي تمويل المواطنين من جهة أخرى.
وهذا النظام في التطوير العمراني يشمل المدن والقرى، فهي تسير على نفس الأسلوب والمنهج، ولعل من أراد أن يطلع على صورة حية لما ذكرته فما عليه إلا يقوم بزيارة من خلال «قوقل أرت» على بعض مدن ماليزيا ليشاهد كيف قامت ماليزيا الحديثة بتطبيق هذه الاستراتيجية وكيف جنت ثمارها.
وقد حان الوقت لوزارة الإسكان أن تطبِّق مثل هذه الاستراتيجيات، فما عادت الطريقة السابقة التي اتبعناها في السابق تلبِّي الاحتياجات الحالية فضلاً عن المستقبلية، ولا يمكن بحال أن نعتمد على موازنات الدولة مهما كانت أرقامها الفلكية، فالإسكان بإمكانه أن يشكِّل مورد دخل للدولة وبإمكان البنوك التي تضخمت أرصدتها أن تشارك في تنمية الوطن أن تكون رابحة باعتبارها جهة تمويل للمطورين والمواطنين، وبإمكان المواطن أن يتملك بيتاً بقسط ميسر ومريح، وبإمكان أجيالنا القادمة أن تنعم بمجمعات سكنية ومدن حديثة بتوفر فيها كافة الخدمات.
فهل تقلب المعادلة يا معالي الوزير وتحوّل المشكلة القائمة إلى فرصة، والمبالغ التي تصرف إلى مورد مالي يساهم في بناء مملكة جل سكانها هم شباب ينتظرون الغد الجميل والحياة الكريمة.

جامعة المدينة العالمية