توظيف الخرافة واستلهام الأسطورة

تاريخ النشر: الجمعة 2015-04-03

د.فليح السامرائي 

تعتمد مسرحية «حاتم الطائي المومياء» لصبحي فحماوي، في معظم فصولها، على حساسية التنوير الدرامي، من أجل تصعيد الحسّ الدرامي إلى أعلى درجة ممكنة تجيب عن أسئلة الدراما داخل أجواء المسرحية وفي مفاصلها، لكن لغاية هذه الدراسة، تم اختيار المشاهد التي تقع في وسط المسرحية تقريباً، انطلاقاً من أن عناصر التنوير الدرامي تتلبث هنا على نحو أكثر من بقية المشاهد الأخرى.

يتجلى المشهد الحادي عشر من المسرحية في الموازنة التي تحققها شخصية «حاتم الطائي» بين المال كله المتمثل في مجموع الإبل التي وهبها للشاعر النابغة الذبياني مقابل بيت واحد من الشعر، وتحيل هذه الموازنة على قضية ثقافية تنويرية تقول إن الأمة العربية أمة بيان وشعر لا أمة عمل واقتصاد ومال، فالأعطية التي تمثلت بكل ما تملك شخصية حاتم الطائي من إبل لها وللجد «سعد» ضاعت مقابل بيت شعر واحد يقوله النابغة بحقّ كرم حاتم. 

وحيث يجري تمثيل هذه الصورة التنويرية الدرامية في تمثيل داخل التمثيل، فإن التورية الدرامية تكون واضحة هنا في أنّ الفكرة تمثيلية أساساً وليست جوهرية، فما هو مطلوب الإعلام والإعلان والسمعة وليس الفعل بحدّ ذاته بوصفه موضوعاً للكرم، حين عبّر لشخصية حاتم الطائي النابغةُ الذبياني بأنهم ليسوا بحاجة لهذا الكرم، فحسبهم أن يحصلوا على شيء من اللبن وينتهي الأمر: 

«حاتم الطائي يرعى الإبل، فيلتقيه ثلاثة رجال فيسأله أحدهم..

النابغة الذبياني: هل من قِرى يا فتى؟

حاتم الطائي: ما هذا السؤال؟ ثلاثة رجال يسألون عن قِرى وهم يرون الإبل؟ واجبكم كبير! على الرحب والسعة! باسم ربّتي «مناة»، أنحر لكم أصغر ثلاثة من الإبل!. 

النابغة: إنما أردنا بالقِرى: اللبن.. وكانت تكفينا، ولا داعي لكل هذا الذبح! 

حاتم الطائي (يحدق في وجوههم): ولكن الواجب واجب!».

يتمثل الموقف التنويري الدرامي هنا، في صورتين دراميتين تتكشفان عن نوع من الصراع الدرامي (صراع الموقف)؛ الصورة الأولى صورة شخصية حاتم الطائي وهي تتباهى بكرمها من دون أدنى وازع اجتماعي أو رؤيوي أو اقتصادي، ويبدو العرض المسرحي لهذه الصورة أشبه بالحماقة التي لا علاقة لها بمفهوم الكرم، لأن الشاعر النابغة الذبياني ورفيقيه ليسوا بحاجة هذه الهدية أصلاً، وهم في سيرهم نحو النعمان إنما يسيرون باتجاه مهمة لها طابع رسمي، لكن «الهوس الكرمي» الذي يعشش في مخيال شخصية حاتم الطائي لا يعطيه أيّ فرصة للتفكير سوى التفريط بالمال على غير وجهه الصحيح، وهذه الصورة المسرحية هي صورة تنويرية درامية مكبّرة تستهدف بلوغ أعلى درجات تمثيل الرؤية، ولعل الجملة الدرامية الوصفية في نهاية الصورة وهي تصف شخصية حاتم الطائي وحيدة بلا إبل، تعبّر أيما تعبير عن الخواء والعدم وبطلان فكرة الكرم على هذا النحو غير الطبيعي وغير السليم.

أما الصورة الثانية، فهي صورة ردّ الفعل التي تقوم بها شخصية «الجد سعد» بعد أن يعلن سخطه الشديد على تصرف حفيده الأرعن، على نحو ينشئ في المشهد صراعاً في الموقف تعبّر فيه شخصية الجد عن صورة الكرم الحقيقي حين يترك لحفيده الصهباء، لعلّه يتعلم درساً مما حصل ويعود إلى رشده. فثمة صورتان للكرم، الصورة الأولى صورة الهوس والجنون المرتبط بالنزوع المجرد نحو الشهرة مهما كانت العواقب، والصورة الثانية صورة الكرم المرتبط بالواجب المشحون بالوعي والمسؤولية:

«الجد سعد: سوف أقوم بواجبي تجاهه، ولو أنه لا يستحقه، ليأخذ هذه الصهباء، أجمل خيولي، وأرجو له أن يتعظ، إذ تلد له من بعدها ما يثري حياته، وأما أنا فسوف أتبرأ منه وأخرج بأهلي، تاركاً حاتماً ليَكرم بنفسه، وبما لديه. سأتركه وشأنه، وأرحل عنه (يهدم خيمته ويرحل عن حفيده).

حاتم الطائي (يركض خلفه، محاولاً استبقاءه): جدّي، جدّي!».

إن انتهاء المشهد بحالة الفراق الأبدي بين شخصية حاتم الطائي الذي يمثل طرفاً تنويرياً درامياً في تصرفه الكرمي غير السليم، وبين شخصية جده «سعد» الذي يمثل طرفاً تنويرياً إيجابياً في التصرف الكرمي بسلوك منطقي، وحتى قبل هذه الحصة التمثيلية (التمثيل داخل التمثيل) التي تقوم بها شخصيات (المصور، مهدي، زملائه) تظهر شخصية حاتم بصورة متهالكة، ويحرّض المخرج على استخدام كل ما تملكه شخصية «مها التونسية» من مواهب مادية وأنثوية لاسترجاع صورة شخصية حاتم بكل قوتها وعنفوانها من أجل نجاح التصوير، وهو ما يبثّ في الصورة العامة للمشهد أكثر من ضوء تنويري يسهم في تحريض المتلقي على التواصل مع الفكرة واستيعاب توريتها البلاغية العميقة.

ويقدم المشهد الثاني عشر في المسرحية، صورة بلاغية بيانية لشخصية حاتم الطائي لدى أستاذ المدرسة: 

«الأستاذ: كان حاتم الطائي يا أولاد، سيداً من سادات طي، وشاعراً من شعراء الجاهلية، وفارساً من أكبر فرسانها، وكان رجلاً يكتنفه الشرف، وتسمه الشجاعة، وعفة النفس، وكرم الأخلاق. كما اتصف بالروح النبيلة، والعاطفة الإنسانية. ويتزين حاتم الطائي بالسخاء والجود، وحب الضيافة بأسمى زينة، ولم يكن همُّ حاتم الطائي إلا إكرام الضيف..فكان ينحر لهم الأغنام والإبل كل يوم، ويجود بها عليهم، وكان يرفِّه عن المُرمّلين، وينقذ الأسرى. وكان الكرم طبعاً فيه، وغريزة متمكنة». 

إن هذا الحشد الهائل من الصفات التي ينقلها معلم مدرسة، يتجاوز حدود المعقول ليدخل في باب المبالغة، وهذه المبالغة مقصودة على مستوى التنوير الدرامي في المشهد هنا، لأنها تعكس مبالغة تصرفات حاتم الطائي الكرمية، ومبالغة ما يروى عن شخصية حاتم الطائي من أفعال تتجاوز حدود المعقول، وتدخل في سياق ولع الشخصية العربية بالمبالغة وتوسيع صورة الرمز وأسطرتها إلى أبعد الحدود، ولو حشدنا الصفات الاستثنائية التي عددها الأستاذ في هذا الصدد لبلغت على هذا النحو مرْتبةَ الأسطورة، إذ كيف يمكن أن يوجد شخص بكل هذه المواصفات المنتخَبة بعناية مهما كان! وربما يكون هذا الحشد من الصفات كفيل بأن يعكس الصورة من الإيجابية نحو السلبية.

أما الحصة التمثيلية التي شاء مجموعة الممثلين عرضها داخل المشهد، فهي تعرض لاعتراضات التلميذ والتلميذة لما يقدمه الأستاذ من صفات هي أقرب للأسطورة منها إلى شخصية حقيقية، فهي نوع من التأليه الذي تغرم به الشخصية العربية عموماً، وهو ما يعكسه هذا المشهد التمثيلي الساخر والمشحون بتورية درامية عميقة: 
«تلميذ في الصف: دخيلك يا أستاذ! أين هي هذه الأغنام التي كان ينحرها حاتم الطائي كل يوم؟ ومن أين يأتي بها ما دام قاعداً بلا شغل ولا عمل؟ وهل هو موظف في مسلخ للبلدية، كي ينحر هذه الذبائح يومياً؟ 

وتقول تلميذة في الصف: ألا تلاحظ يا أستاذ أن هذه القصص تحشر كل الصفات النبيلة الخيالية في شخص خرافي واحد، هم يصنعونه على أمزجتهم، تماماً كما كانوا يصنعون آلهتهم (هبل واللات والعزى ومناة)، بهدف خلق نموذج للكرم العربي المتهوِّر، وأن العرب يحبون نماذجهم، بدل أصنامهم السابقة، ويرتاحون لطاعتها؟».

هنا ثمة صراع ضمني على مستوى المفاهيم والأوصاف بين الأستاذ (وهو يمثل معسكر الدفاع عن شخصية «حاتم الطائي» إلى مستوى الخرافة والأسطورة والتأليه)، والتلاميذ وهم يعترضون على ذلك اعتراضاً شديداً لأنه لا يتوافق مع العقل والمنطق، فجبهة شخصية الأستاذ هي جبهة الانتماء إلى العاطفة والحلم والانبهار الانفعالي الشديد بالبطل الرمز، ونقله من حدوده الإنسانية الطبيعية إلى حدود الخيال. 

ويكشف هذا الصراع الضمني بين جبهتي الشخصيات (الأستاذ من جهة، والتلاميذ من جهة أخرى)، عن صورة من صور التنوير الدرامي القائم على تفاعل وجهتي نظر متضادتين، حيث يسعى المؤلف هنا إلى تمثيل رؤيته الشخصية وتعبئتها في مقولات الشخصيات، فهو يقف مع الاعتراض على الأسطرة والتأليه، ومع الكشف عن زيف الفكرة وعدم صمودها أمام أبسط وعي متمثل في وعي طلبة متنورين، فالتلاميذ هم حملة الفكرة الواعية التي يتبنّاها المؤلف في الدفاع عن الواقع الحقيقي الراهن في صورة التلاميذ أمل المستقبل، بإزاء قناعات تقليدية متوارثة تقوم دائماً على الشائعات والأكاذيب التي لا تصمد أمام محاكمة العقل، الذي هو مصدر المعرفة، وبهذا يكون هذا المشهد من المشاهد التنويرية المهمة على صعيد محاكمة الفكرة ومناقشتها بين أطراف التمثيلية التي مثّلتها الشخصيات (تمثيل داخل التمثيل)، من أجل الارتفاع بمستوى التنوير الدرامي إلى درجة الحِجَاج والإقناع وتوسيع حدود المجال الدرامي إلى طبقات تمثيلية تعزز دور الفكرة في إطار تمثيلي متكامل.

في الجزء الثاني من المشهد، تظهر علامة مهمة من علامات التنوير الدرامي في المسرحية، وتتعلق هذه العلامة بمستلزمات الزي الذي يجب أن تظهر به شخصية «حاتم الطائي»، ولا شكّ في أن السخرية التي تبرز لدى الشخصيات بشأن العقال تعمّق كثيراً من الفاعلية البلاغية والسيميائية لعلامة «العقال» وتوريتها الدرامية:

«المخرج: أريد منك أن تضع لحاتم الطائي فوق الحطة عقالاً أسود، مثل عقالات العرب القدماء! 

الحلّاق جوزيف: يا حبيبي أنت لا تعرف أنه أيام زمان كانت الحطة البيضاء تُربط ربطاً على الرأس، ولم يكن هناك عقال أسود فوق الحطة! هذا العقال حطّهُ الرجال الأشاوس فوق الحطّة، فقط بعد سقوط الأندلس! أيامها ربطوا إشارة سوداء فوق رؤوسهم حداداً على ضياع الأندلس، يعني عقلوا رؤوسهم، وسموه عقالاً!  وفي الخطوة الثانية، يعني لما ضاعت فلسطين، قال أهلها: والله لن نضع عقال الرجال على رؤوسنا طوال ما هي فلسطين محتلة. يعني سنضع الحطة من دون عقال، مثل النساء، إلى حين تحرير فلسطين. وعندما احتُلت بغداد، أعاد أهلها وضع لفة سوداء على رؤوسهم حداداً على احتلال العراق..وعندما احتلوا الصومال خلعوا العقال الأسود، ومشوا مثل النساء بلا عقال، إلى حين انفصال جنوب السودان. وعندما هاجم الصهاينة لبنان، قام رجال لبنان، فخلعوا العقال، وقطّعوه تقطيعاً فوق رؤوس الأعداء، وربطوهم به مثل الـ…. وهكذا صارت القضية هي قضية عقال، أيْه لَك اعْقَال بَقَى!».

ففي الوقت الذي يحتلّ فيه «العقال» على المستوى الشعبي رمزية إيجابية بوصفها رمزاً للرجولة والفحولة والكبرياء والعروبة وما إلى ذلك من مسميات، نجد أن المشهد المسرحي هنا يعكس هذه الصورة ويجعل رمزية «العقال» مرتبطة بالهزائم والنكسات، فهو صورة معبرة عن ضياع الأندلس من أيدي العرب بعد حكم دام مئات السنين: وهو يعني في السياق نفسه ضياع فلسطين حين نزعه الفلسطينيون بعد احتلالها وعزموا على عدم لبسه ما دامت محتلة من قِبَل الصهاينة.. وهو علامة على احتلال بغداد أيضاً.. حتى تتحول العلامة إلى أقصى درجات السخرية من هذا التشبث بالشكليات في العقل العربي حين يتندر المخرج بقوله إن «العقال» هو العلامة الأبرز (في ارتدائه وخلعه) لكل خسائر العرب في ماضيهم وحاضرهم.. حتى تأتي الجملة الأخيرة المعبَّر عنها باللهجة اللبنانية للتوقف عن هذا الهذر غير المجْدي حين تتحول القضية كلها إلى «قضية عقال»، حتى يبلغ الأمر بشخصية جوزيف اللبناني بالطلب من المخرج أن يستعيد عقله الضائع وهو يدور في حلقة العقال «إيْه لَك اعْقَال بَقَى!»، كي يسترد وعيه المفقود بسبب العقال، وهو ما ينطوي على سخرية عالية وتورية تتعلق بأن العرب أضاعوا كل شيء لكنهم تمسّكوا بالعقال.


  • أستاذ النقد الحديث ورئيس قسم الأدب العربي والنقد – جامعة المدينة العالمية/ ماليزيا

ا

 

جامعة المدينة العالمية